بقلم د. عماد رزق
في مشهد سياسي وعسكري متسارع، أنهت "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) رحلتها كقوة عسكرية مستقلة في 25 آب 2026، إيذاناً بنهاية مشروع كانت الحركة الكردية قد راهنت عليه لعقد من الزمن. لكن السؤال الأكبر يظل معلقاً: ما الذي ينتظر مناطق شرق الفرات بعد هذا التحول الجذري؟ وهل تستطيع دمشق إدارة هذا الميراث المعقد؟ وماذا عن مصير القادة الكرد، والعلاقة المتوترة مع العرب، ودور المجتمع الدولي في هذه المرحلة الدقيقة؟
إدارة دمشق... بين المركزية ومخاطر التهميش
منذ دخول القوات الأمنية السورية إلى الحسكة في مطلع شباط 2026، أصبح واضحاً أن دمشق عازمة على بسط سيطرتها الكاملة على مناطق شرق الفرات. لكن السؤال الجوهري: هل ستكون هذه إدارة مركزية صارمة أم ستسمح بنوع من اللامركزية الإدارية؟
المعطيات تشير إلى أن الحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع تسعى إلى استعادة السلطة على شمال شرق البلاد دون خسارة التفاهمات الدولية. وفي المقابل، يصر الأكراد على شكل من الحكم الذاتي لمناطقهم. وقد أصدر الرئيس الشرع مراسيم رئاسية تعالج ملفات الهوية الكردية واللغة والحقوق الثقافية، لكن الخلاف الجوهري، كما يؤكد باحثون سوريون، يظل حول تثبيت هذه الحقوق دستورياً.
الواقع أن دمشق تواجه معضلة حقيقية: فمن جهة، لا تريد تكرار تجربة الإدارة الذاتية التي راكمت قسد خلالها نفوذاً واسعاً. ومن جهة أخرى، فإن الإدارة المركزية المتصلبة قد تغذي مشاعر التهميش لدى الأكراد وتخلق بؤر توتر جديدة. الحل الأمثل قد يكون في صيغة وسطى تمنح حكماً محلياً موسعاً مع بقاء السيادة الكاملة بيد المركز، وهو ما تتخوف منه تركيا التي ترفض أي شكل من أشكال الحكم الذاتي.
العرب والأكراد... شراكة صعبة في ظل جروح مفتوحة
العلاقة بين العرب والأكراد في شرق الفرات دخلت مرحلة جديدة، لكنها ليست بالضرورة أكثر استقراراً. خلال الأسابيع التي سبقت حل قسد، لعبت العشائر العربية دوراً حاسماً في طرد القوات الكردية من الرقة ودير الزور، مما يعكس عمق الاستياء العربي من سياسات قسد التي وُصفت بالقمعية.
لكن السؤال الأصعب: كيف سيتعايش الطرفان في المرحلة القادمة؟ العشائر العربية، التي كانت شريكاً في الإدارة الذاتية سابقاً، تطالب الآن بدور أكبر في إدارة مناطقها. وفي المقابل، يخشى الأكراد من أن يؤدي حل قسد إلى تهميشهم سياسياً وعسكرياً، خصوصاً مع غياب الغطاء الأميركي الذي كان يوفر لهم نوعاً من الحماية.
المطلوب اليوم هو اتفاق سياسي شامل يعيد توزيع السلطة والنفوذ في المنطقة بما يرضي جميع المكونات. غياب مثل هذا الاتفاق قد يحول شرق الفرات إلى ساحة صراع جديدة بين العرب والأكراد، هذه المرة تحت سقف الدولة السورية نفسها.
مظلوم عبدي... بين تسليم القادة ولجوء قادم
مصير قادة قسد، وفي مقدمهم القائد العام مظلوم عبدي، يظل من أكثر الأسئلة إثارة للقلق. ففي 25 نيسان 2026، التقى عبدي بالسفير التركي في دمشق في لقاء وصف بـ"غير المتوقع"، مما أثار تكهنات واسعة حول مصير القيادة الكردية.
أنقرة، التي تعتبر قسد امتداداً لحزب العمال الكردستاني، كانت واضحة في مطالبتها بحل القوات الكردية وتسليم السلاح. لكن هل ستكتفي بذلك، أم ستطالب بتسليم القادة أنفسهم؟
سيناريو تسليم القادة لأنقرة يبدو مستبعداً في المدى المنظور، خصوصاً مع وجود تفاهمات بين عبدي ودمشق قد توفر له حماية نسبية. والأكثر ترجيحاً هو لجوء القيادة الكردية إلى الخارج، ربما إلى مناطق كردستان العراق أو إلى دول أوروبية، في إطار ترتيبات تفاوضية مع دمشق وأنقرة على حد سواء. لكن المؤكد أن مصير هؤلاء القادة سيكون اختباراً حقيقياً لمدى جدية التفاهمات الجديدة.
المجتمع الدولي... انسحاب أميركي وفراغ روسي؟
الدور الدولي في شرق الفرات شهد تحولاً جذرياً. فالوجود العسكري الأميركي، الذي كان العمود الفقري لحماية قسد، أخذ في الانحسار بشكل تدريجي. وبحلول نيسان 2026، أعلنت الخارجية السورية اكتمال تسلم مواقع كانت تحت السيطرة الأميركية. واشنطن، التي راهن عليها الأكراد طويلاً، تخلى عن حليفها في اللحظة الحاسمة، تاركة فراغاً استراتيجياً في المنطقة.
في المقابل، روسيا التي كانت تبارك طرد قسد من شرق الفرات، تبدو اليوم في موقع المتابع أكثر منه الفاعل الأساسي. فمع انشغال موسكو بأوكرانيا، لم تعد قادرة على لعب الدور الذي لعبته سابقاً في سوريا.
أما الأمم المتحدة، فدورها يظل محدوداً في ظل غياب إرادة دولية حقيقية لفرض تسوية شاملة. المجتمع الدولي يبدو راضياً بإنهاء ملف قسد، دون أن يقدم ضمانات حقيقية لمستقبل حقوق الأكراد أو استقرار المنطقة.
في الخلاصة...
شرق الفرات يقف اليوم على مفترق طرق. فإما أن تشهد المنطقة مرحلة جديدة من الاستقرار تحت مظلة الدولة السورية، مع ضمانات حقيقية لحقوق الأكراد ومشاركة عربية فاعلة، أو أن تتحول إلى بؤرة توتر جديدة تهدد وحدة سوريا. الإجابة على الأسئلة الأربعة الكبرى – شكل الإدارة، العلاقة العربية-الكردية، مصير القادة، والدور الدولي – ستحدد مصير هذه المنطقة الحيوية. والأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.
