خاص

خاص: فادي يوسف - لُبنَان بلد صنع التاريخ وعجز عن صناعة الدولة !



بقلم فادي شلهوب يوسف

لبناني الحبيب، وطني المفدى، من أنت عبر التاريخ يا هذا؟ وماذا حلَّ بك اليوم؟

أنت من أقدم مواطن الحضارات في العالم، أنت المتميز بطوائفك وثقافاتك. أنت الصغير في الجغرافيا والكبير في التاريخ والإنسانية، ولا يمكن اختزالك أو اختزال مساحتك الصغيرة، فتاريخك مرتبط بمحطات تركت أثرًا يتجاوز حدوده بكثير.. أنت اللبنان القديم الذي أسهم بتشكيل إحدى أهم أدوات المعرفة الإنسانية: الكتابة الأبجدية.

 

أنت الوطن المقدس بين كل الأوطان، أنت الوطن الذي استهوى الرسل والأنبياء، والذي كان النساك من النصارى والمتصوفة من المسلمين والزهاد من الدروز يؤثرون مغاورك وكهوفك على ملاذ الدنيا.

 

أنت الوطن الذي استهوى الملوك والأمراء والسلاطين، والشعوب المتعددة الجنسيات والشعراء والغزاة والمضطَّهدين والمضطِّدين، وأنت الذي دحرت القادة والجيوش الذين تدحرجت كتاباتهم عند مصب نهر الكلب؛ أنت المذاهب والسنن على مرّ التواريخ والأزمنة والعصور..

 

أنت الذي جذبت المسيح ليزورك، وانتظرتك أمه في رحابك في سيدة المنطرة. أنت الذي اعتبر النبي أن جبالك من جبال الجنة. وآدم الذي أوحى الله إليه ببناء البيت على حجارة من خمسة أجبل. وابراهيم الخليل الذي صعد جبل لبنان وأوحى الله إليه: "أنظر فما أدرك بصرك فهو مقدس".. والنبي سليمان بن داوود الذي لم يجد في الدنيا أفضل من مهندس صور حيرام ومن خشب الأرز لبناء هيكل أورشليم.. وعندما نظر موسى إلى الشمال، إلى أرض لبنان والجبال، هذا الجبل لمن؟ قال الله: "أغمض عينيك، لن تطأه قدماك، لا أنت ولا الذي من بعدك، إنه وقف لي من الآن وإلى الأزل"..

 

أنت اللبنان المذكور في الكتاب المقدس أكثر من 70 مرة، وأرزه 75 مرة وصور 59 مرة وصيدا 50 مرة. وزارك يسوع في عهد فينيقيا وقام بشفاءات إعجازية كثيرة. ولبنان في التفسير السرياني القديم مؤلف مقطعياً من "لب" (قلب) و "أنان" (الله). واسم لبنان في الكتاب المقدس يتردد في أجمل المقاطع، حيث في كل مرة يريد الكتاب المقدس أن يتكلم عن جمال الله فهو يشبهه بأرز لبنان. لبنان وطن الأرز والقديسين، لذلك أنعم الله عليه في الأزمنة الماضية بكوكبة من الشهداء الأبرار والقديسين العظام، بالنسبة لشعبه الصغير، وفي هذه الأيام أيضاً، أسبغ عليه بنعم إضافية لبروز قديسين ومطوَّبين جدد، أعطو له مجداً وفخراً جديدين، إنتشرا في كل أصقاع الدنيا..

 

ولا ننسى أن التوراة واسمها في الإغريقية La Biblia حيث أن هذا الإسم يرقى إلى كلمة بيبلوس أي جبيل.

أما الحضارات التي تعاقبت على أرضك يا لبنان فهي كثيرة، ومنها: العصور القديمة ما قبل التاريخ، الحضارة الفينيقية (الكنعانية)، المصريون القدامى، والأشوريون والبابليون، الفرس والإغريق، الرومان واليونان والبيزنطيون، والعصور الإسلامية والعربية، الصليبيون، والعهد العثماني، وصولاً إلى العصر الحديث الذي شهد تأثيرات الإنتداب الفرنسي وصولاً إلى إعلان الإستقلال اللبناني عام 1943. وتشهد على ذلك قلاع وحصون ومواقع أثرية عديدة في مدن وبلدات عدة مثل: بيروت وجبيل وصيدا وصور وعنجر وغيرها..

 

وطني، أنت مساحة لقاء بين الحضارات، وقيمتك التاريخية لا تقاس فقط بما اخترعته وبنيته وأنجزته، بل أيضاً بما نقلته ووصلت بينه. أنت رائد النهضة العربية في القرن التاسع عشر وبإمتياز، أنت رائد في الصحافة والإعلام والطباعة والتعليم، وفي الأدب والشعر لك صولات وجولات، وقد صدرتها كلها إلى الخارج..

 

أنت بلد صغير إستطاع أن يترك أثراً في التاريخ والحاضر، في البحر والتجارة والكتابة والفكر والإبداع، ثم وجد نفسه في العصر الحديث عاجزاً عن تحويل هذا الإرث الهائل إلى مشروع دولة مستقرة وقوية؛ فنراه اليوم يتخبط أمام مفترق طرق بين الإستمرار في أزماته أو استعادة دوره ودولته ومكانته.

 

أنت في موقعك الجغرافي جسر بين الشرق والغرب، ومسرح لحضارات متعددة، انتقلت من دولة واحدة إلى دولة مأزومة، بسبب الحرب الأهلية والتدخلات الخارجية، والإنقسامات الداخلية، وضعف المؤسسات، وتغليب الطوائف والمصالح السياسية على مفهوم الدولة، ما سبَّب أزمات إقتصادية واجتماعية وسياسية ودينية؛ وأدى إلى هجرة الأدمغة والكفاءات، وتراجع الخدمات، وأدى إلى اهتزاز الثقة بالدولة ومؤسساتها وإلى تحديات السياسة والإستقرار والأمن الهش. وهنا يكمن الخلل وهو السؤال الأصعب، وما هو الخلل؟ هل المشكلة في النظام السياسي؟ أم في الطبقة السياسية؟ أم في البنية الطائفية؟ أم في التدخلات الخارجية؟ أم في اجتماع كل هذه العوامل؟

 

نرى أن كل هذه العوامل تضافرت لتشكل أزمات عديدة متكررة، أنحت باللبنانيين نحو هاوية سحيقة، سوف تؤدي بهم إلى السقوط فيها، إذا ما تمادوا في غيّهم ولم يرعووا فيجب عندها أن يعتمدوا الجنوح إلى مواقع أكثر أمناً وسلاماً ووطنية.

 

وليس المطلوب من لبنان بعد هذه الفسحة من المعطيات أن يستعيد ماضيه، فالماضي لا يعود. المطلوب أن يستعيد القدرة التي صنعت ذلك في الماضي: قدرة الإنسان اللبناني على المبادرة، والعلم والتجارة، والإنفتاح والشفافية، وصناعة المستقبل. فلبنان لم يكن عظيماً لأنه كان كبيراً في الجغرافيا، بل لأنه كان كبيراً في الإنسان. وإذا استطاع أن يبني دولة تضع الإنسان فوق الطائفة، والقانون فوق الزعيم، والمصلحة الوطنية فوق الحسابات الخارجية، فقد لا يعود فقط إلى لبنان الذي عرفناه، بل يستطيع أن يصنع لبناناً جديداً يليق بتاريخه..

 

لبناني الحبيب، في هذه البقعة من الأرض، تزدحم الأحداث كما لم تزدحم في أية بقعة جغرافية من بقاع العالم، قد تكون الرحلة شاقة، لأن طرقاتك الجبلية متعرجة ولكن جميعها توصلنا مع طائر الفينيق إلى قمم هي الأعلى في هذا الشرق.. وما بسهولة يصل المرء إلى القمة في بلاد عمرها من عمر الدهر..