محليات

الاتحاد الاوروبي فتح مساراً جديداً لبناء قدرة الدولة اللبنانية الأمنية



يدخل لبنان مرحلة أمنية جديدة مع اقتراب الموعد المحدد لانتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان "يونيفيل" في نهاية العام الحالي (2026)، في وقت يتجه فيه الاتحاد الأوروبي إلى إطلاق بعثة جديدة لتقديم المشورة والتدريب للجيش اللبناني في مجالي أمن الحدود والأمن البحري. ورغم تأكيد الاتحاد أن هذه المهمة لن تكون بديلاً عن اليونيفيل، فإن توقيتها وطبيعة اختصاصها يكشفان عن تحول أوسع في المقاربة الدولية للملف اللبناني، يقوم على نقل الجزء الأكبر من المسؤولية الأمنية تدريجياً إلى المؤسسات اللبنانية، وفي مقدمتها الجيش، بدلاً من استمرار الاعتماد على وجود قوة دولية واسعة الانتشار.

وتأتي الخطوة الأوروبية في مرحلة من عدم اليقين والوضوح، إذ إن قرار إنهاء ولاية اليونيفيل في نهاية عام 2026 لا يعني إغلاق مهمة أممية استمرت لعقود، بل يمثل بداية انتقال تدريجي في منظومة الأمن التي حكمت الجنوب اللبناني منذ عام 1978. فالقوة الدولية التي تضم آلاف العناصر من عشرات الدول أدت طوال السنوات الماضية أدواراً متعددة في مراقبة الوضع الميداني والحفاظ على الاستقرار والمساعدة في تنفيذ الترتيبات المرتبطة بالقرار 1701، لكنها لم تتمكن، رغم وجودها، من منع اندلاع حروب وجولات متكررة من المواجهة بين إسرائيل وحزب الله. ومن هنا جاء الاتجاه الدولي إلى جعل الجيش اللبناني الطرف الرئيسي الذي يفترض أن يتولى المسؤولية الأمنية على الأراضي اللبنانية، مع تقديم دعم خارجي لتعزيز قدراته.

ويكتسب المشروع الأوروبي أهمية خاصة لأنه لا يتعامل مع مرحلة ما بعد اليونيفيل" من خلال محاولة إعادة إنتاج قوة حفظ سلام جديدة بالصيغة نفسها، وإنما من خلال الاستثمار في المؤسسة العسكرية اللبنانية. فالفرق بين المهمتين جوهري؛ اليونيفيل" قوة دولية تعمل بتفويض من مجلس الأمن وتنتشر ميدانياً لمراقبة وقف الأعمال العدائية والمساعدة في الحفاظ على الاستقرار، في حين أن البعثة الأوروبية المرتقبة ستكون مهمتها الأساسية تقديم التدريب والاستشارة وبناء القدرات. وهذا يعني أن الأوروبيين يريدون أن يكون الجيش اللبناني هو صاحب الدور التنفيذي الأساسي، فيما يتركز الدور الأوروبي على تمكينه من أداء هذا الدور بصورة أكثر فاعلية.

ومن هذه الزاوية، فإن التركيز على أمن الحدود والأمن البحري يشكل جزءاً من مفهوم أوسع لتعزيز سيادة الدولة اللبنانية. فالسيطرة على الحدود تعني امتلاك القدرة على مراقبة حركة الأشخاص والبضائع والأسلحة، وضبط المعابر، ومكافحة التهريب، في حين أن تطوير القدرات البحرية يسمح للجيش بمراقبة المياه الإقليمية وحماية السواحل والمنشآت الحيوية وتعزيز الرقابة على المداخل البحرية للبلاد. وكلما تحسنت هذه القدرات، أصبح الجيش أكثر قدرة على أداء وظائف الدولة الأمنية بعيداً من الاعتماد المباشر على القوات الدولية. 

وتنسجم هذه المقاربة مع مسار أوروبي بدأ يأخذ شكلاً أكثر وضوحاً خلال الفترة الأخيرة من خلال تقديم دعم مالي وعسكري للجيش اللبناني وتعزيز قدراته في مجالات السيطرة على الأراضي والأمن البحري والمراقبة والاستطلاع وحماية المنشآت. وبالتالي، فإن البعثة الجديدة لا تبدو مبادرة منفصلة، وإنما حلقة إضافية في سياسة أوروبية تسعى إلى بناء مؤسسة عسكرية لبنانية أكثر قدرة على تولي مسؤولياتها في مرحلة تتراجع فيها تدريجياً أدوار القوى الدولية المباشرة.

لكن الرهان على الجيش اللبناني لا يخلو من تعقيدات كبيرة، لأن المشكلة الأمنية في لبنان لا ترتبط حصراً بنقص التدريب أو المعدات. فالجيش يعمل في بيئة سياسية وأمنية شديدة التعقيد، فيما لا تزال مسألة السلاح خارج الدولة من أبرز الملفات التي تؤثر في طبيعة القرار الأمني والسيادي. ولذلك فإن تعزيز قدرات الجيش يمكن أن يرفع من مستوى إمكاناته العملياتية، لكنه لا يستطيع وحده حل الإشكالات السياسية التي تحدد طبيعة دوره وحدود صلاحياته. فامتلاك الدولة أدوات أمنية أكثر تطوراً لا يعني بالضرورة قدرتها على استخدام هذه الأدوات بصورة كاملة ما لم يتوافر توافق سياسي حول حصرية القرار الأمني والعسكري.

وهنا تكمن إحدى أهم نقاط الضعف المحتملة في المرحلة المقبلة. فالمجتمع الدولي يستطيع تدريب الجنود وتجهيز الوحدات وتطوير قدرات المراقبة والاتصال والاستطلاع، لكنه لا يستطيع فرض توافق لبناني داخلي حول وظيفة الجيش أو حول مسألة السلاح أو حول القرار المتعلق بالحرب والسلم. وهذه قضايا تتجاوز البعد العسكري لتصبح جزءاً من صلب المعادلة السياسية والسيادية في لبنان، وترتبط بطبيعة الدولة ودورها وقدرتها على احتكار قرار استخدام القوة، فضلاً عن التوازنات الداخلية والتجاذبات الإقليمية التي لطالما انعكست مباشرة على الواقع الأمني اللبناني. ولذلك فإن تعزيز قدرات الجيش يمكن أن يرفع من مستوى إمكاناته العملياتية، لكنه لا يستطيع وحده معالجة الإشكالات السياسية التي تحدد طبيعة دوره وحدود صلاحياته، ما لم تحسم بشكل عملي مرجعية القرار الأمني والعسكري وحصرية الدولة للسلاح.