بقلم رئيس التحرير | سيمون سمعان
على مدى أسابيع رفعت، بل عظّمت، إسرائيل من شأن موقع علي الطاهر الإسترتيجي وتحصيناته وشبكة أنفاقه ومحتوياتها. في المقابل عظّمت إيران من حجم الرد العسكري على إسرائيل في حال أقدمت قواتها على حماقة اقتحام علي الطاهر. وما كادت تمر الأسابيع القليلة حتى اقتحمت إسرائيل الموقع المحصّن وانسحب الحزب وما ردت إيران... فما الذي جرى؟!
مع هذه المفارقات الحاملة لأكثر من معنى والدّالة على أكثر من تمرير عبر أنفاق المفاوضات التي جرت بين السرّ والعلن وجمعت إسرائيل وحزبلاه على أكثر من هدف واحد وأبعد من موقع استرايجي.
في الشكل والإحاطة:
- لنعود إلى بعض ما جرى وأشيع في الفترة الأخيرة، ومنه تصريح السفير الأميركي لدى بيروت ميشال عيسى عن مفاوضات مع الحزب، ثم نفي الخارجية الأميركية ذلك.
- رفض حزبلاه تسليم موقع على الطاهر للجيش على الرغم من يقينه أنه سيسقط لاحقًا بيد إسرائيل. وهذا الذي اتهم فيه البعض الحزب بأنه فضَّل أن يسلّمه للجيش الإسرائيلي بدل الجيش اللبناني، هو في الواقع الورقة التي كان يفاوض عليها الحزب للحصول على مكاسب أخرى له أو لمحرّكه في طهران.
- إعلان إسرائيل أن أنفاق علي الطاهر تضم خبراء وضباطًا إيرانيين يديرون المعركة. كما أنها تضم ذهب القرض الحسن وأمواله. وغيرها من المؤشرات.
وما كاد يسقط الموقع حتى تبيّن أن وراء التلّة ما وراءها. وأن ما وراءها كان أدهى مما في داخل أنفاقها. فهي ما كانت سوى منطقة عسكرية مثل سواها وإن تميّزت بموقع استراتيجي مشرف على قسم كبير من جنوب لبنان وشمال إسرائيل. فكيف لهكذا موقع محصّن أن يسقط من دون جريح إسرائيلي واحد؟ لماذا لم يُظهِر الحزب أي استبسال بل أي دفاع عنه؟ فتم التسليم بالواقع وتسليم الموقع. لماذا لم تنفِّذ إيران تهديداتها بإحراق إسرائيل بالصواريخ في حال اقتربت من علي الطاهر؟ ولماذا سارع الإسرائيليون إلى الإعلان، وقبل أية معلومات عسكرية وميدانية عن التلّة، ألّا إيرانيين في داخلها؟
تُظهر المعلومات المتوالية والمتقاطعة أنه منذ أن أحكمت القوات الإسرائيلية الحصار على موقع علي الطاهر وبات اقتحامه مسألة وقت تحدّده المصالح الإسرائيلية الداخلية لا الميدان في لبنان، أدركت إيران أن التفاوض على الإنسحاب منه أقل خسارة لها من القتال للبقاء فيه. والعامل الأبرز في المفاوضات كان، بحسب المعلومات، سحب ضباط وعناصر الحرس الثوري سالمين وعدم كشف أي وجود لهم في الموقع، مقابل عدم القتال فيه وعدم الرد إيرانيًّا على اقتحامه. وما استدعى ذلك بالنسبة للإيرانيين، مأزق الداخل والحرب مع الولايات المتحدة الأميركية والتدهور الخانق للوضعين الإقتصادي والمعيشي بنتيجة الحصار، علاوة على تراجع القدرات العسكرية، ما يجعل طهران تفضّل عدم فتح جبهة جديدة مع إسرائيل لِما لذلك من تداعيات. فهكذا جبهة تعطي نتانياهو ورقة رابحة في الإنتخابات بالتفاف الإسرائيليين حوله في الداخل، فيما تُضعف المواجهة الإيرانية بوجه أميركا، فكان علي الطاهر هو الثمن.
هذا المسار يوضح بما لا يقبل الشك أمورًا عدّة ما عادت تحتمل الإلتباس والتبرير: فعدم تسليم علي الطاهر للجيش اللبناني لم يكن أصلاً بيد حزبلاه ليقرر في شأنه. وثانيًا عندما طرح الجيش تسلّمه كان صار ورقة تداول تحت طاولة المفاوضات وما عاد موقعًا ميدانيًّا في جبهة القتال. وثالثًا ترسم العملية برمّتها صورة واضحة عن كل ما جرى ويجري على أرض الجنوب، وهنا تصبح العبرة منه أهم من تطورات الميدان.
فما جرى أكّد المؤكّد أن أرض الجنوب وأهله وماضيه ليسوا أكثر من ورقة تفاوض بين إيران وأميركا وإسرائيل، وأن حزبلاه بالطبع هو فصيل يديره الحرس الثوري الإيراني وإن كان مُشكّلاً من لبنانيين، وخصوصًا جنوبيين. وهذا يؤدي إلى أن يكون الجنوب ولبنان ومصالح أهله خدمة لمصلحة إيران أأدرك المقاتلون ذلك أم جهلوه، وهم وأهلهم وقراهم أول وأكبر الخاسرين. فلماذا مات من مات خنقًا في أنفاق علي الطاهر؟ ولمصلحة من؟ ودفاعًا عمّاذا؟ هل دفاعًا عن الأرض التي سُلّمت، أم عن الأهل الذين شُرّدوا، أم حماية للبيوت التي جُرِفت؟ أم أكثر من ذلك حفاظًا على التنظيم نفسه الذي تستخدمه إيران وقودًا بات يوشك على النفاد؟
بعد الذي جرى في علي الطاهر أمس لا بد من أن تكون الأولوية لأخذ العِبر لا لإعطاء الدروس، وللبحث في الواقع لا للتمسّك بالشعارات البالية التي أظهرت الأحداث أنها هي بالذات أوهن من بيت العنكبوت، وباتت مكشوفة فوق أشلاء أبناء الجنوب وركام بيوتهم وفرح أولادهم ومستقبل البلد... فعسى أن يكون هناك من يرى ويتّعظ ويبادر قبل أن تَحرق النار كل الأوراق والأرزاق وتُغلِق أي نافذة مفتوحة على المستقبل!
لنصل إلى السؤال الأساس: متى تجمع الدولة السلاح فتوقف هذا البازار المدمّر وتُجنّب الناس الموت وتنقل البلد من ورقة وساحة إلى وطن وفرصة للحياة؟!
