صحافة

إسرائيل في "علي الطاهر" وسؤال في لبنان: ماذا بعد؟



ماذا بعد سقوط تلة علي الطاهر الإستراتيجية التي تقع شمال نهر الليطاني في يد الجيش الإسرائيلي بعد نحو 82 يوماً من الإنهاكِ لعشرات من عناصر «حزب الله» بحصارٍ ومعركةٍ طغتْ عليها تقنياتُ الـ «عن بُعد» واستخدام غازات سامة لاستكشافٍ «غير تقليدي» لما تحتها قبل إقحام «كتيبة الروبوتات»؟

هذا السؤال كان الشغل الشاغل لبيروت منذ أن كشفت إسرائيل (ليل الخميس) عن «السيطرة العملياتية» على تلة علي الطاهر «المنطقة فوق الأرض وتحتها» مع استمرار العمل على تدمير المنشآت الموجودة في شبكة الأنفاق التي سبق أن قالت تل أبيب إنها شكّلت مركز قيادة رئيسياً لقوة «بدر» التابعة لـ «حزب الله».

واكتسب سقوطُ التلة أهمية خاصة، ليس فقط لموقعها الإستراتيجي إذ تشرف على النبطية وإقليم التفاح وجبل الريحان وجزين، بل لأن «قبض» إسرائيل عليها واعتبار ذلك «إتماماً لمرحلة ضمان السيطرة على المنطقة الأمنية في جنوب لبنان»، جاء في توقيتٍ شديد الحساسية على جبهة إيران – الولايات المتحدة، وعلى وهج إطلاق تل أبيب 5 من أسرى حربي 2024 و 2026 مع «حزب الله».

وفي الوقت الذي تم التعاطي مع «تحييد» لغم علي الطاهر بسقوطها وقبْله تسليم الأسرى الخمسة (الخميس والجمعة) على أنه بمثابة «تحرير» لمسار التفاوض اللبناني - الإسرائيلي المباشر من أحمال كانت مانعة لانعقاد الجولة الثامنة في روما، والتي يُنتظر تحديد موعدها في الأيام القليلة المقبلة، فإنّ خلاصات ومفارقاتٍ عدة طبعت ما يشبه «المعركة بلا غبار» التي دارت فوق التلة وتحتها، وأبرزها:

- أنّ إعلان بنيامين نتنياهو، ان المرتفعات لم تعد تشكّل «تهديداً لإسرائيل» وتأكيد وزير دفاعه يسرائيل كاتس، أن هذه «نهاية مرحلة ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على المنطقة الأمنية (جنوب لبنان»، يعكسان أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بات في جيبه واقعياً «البطاقة الذهبية» في انتخاباته الشهر المقبل، وأن لبنان صار بيده «جواز المرور» إلى مفاوضات «روما 3» مختوماً بإنجاز تحرير أول دفعةٍ من الأسرى في كنف «الاتفاق الإطار» الثلاثي الموقّع بين البلدين ومعها الولايات المتحدة في 26 يونيو الماضي.

- أنّ «حزب الله» الذي حاول التخفيفَ من وطأة خسارة التلة على قاعدة إثارة علامات استفهام حول حقيقة السيطرة عليها واعتبار أن حصول مثل هذا الأمر «ليس بكارثة في الواقع العسكري كما انها ليست آخِر المطاف»، ظهّر في شكلٍ نافرٍ، وفق خصومه، أنه مستعدّ لترْك إسرائيل تحتلّ مواقع إستراتيجية له (بعد غالبية جنوب الليطاني) على أن يسلّمها للجيش اللبناني، وذلك «حمايةً» لسرديةِ أنّ قيامه بذلك سيعني إعطاء تل أبيب «حقّ» تحديد نقاط أخرى ليتخلّى عنها لمصلحة المؤسسة العسكرية اللبنانية، وتالياً وضْع سلاحه شمال الليطاني في «إمرة» الإسرائيلي و«الاتفاق الإطار».

ويرى خصومُ الحزب أنه، بهذا «المنطق»، يحاول فقط تأخيرَ «دومينو» تَداعي مواقعه، التي لم يَعُد قادراً على إحداث تَوازُنٍ مع الإسرائيلي في حمايتها، باعتراف نواب منه وإرسائهم نظرية «الردع النسبي»، وذلك لإبقاء جبهتيْ لبنان وإيران مترابطتيْن ولو على حسابِ احتلال تل أبيب المزيد من النقاط وربما البلدات التي باتت واقعياً أمام معادلة «تسليمها أو سقوطها بالقوة».

وفي هذا الإطار، بدا من الصعب الجزم بالخطوة التالية لإسرائيل بعد علي الطاهر، وسط خشية خبراء عسكريين من أن يكون «التالي» على لائحة أهداف نتنياهو «معركة مرتفعات» متسلسلة خصوصاً باتجاه إقليم التفاح وجبل الريحان وصولاً إلى البقاع الغربي، بما يتيح عملياً إرساء شريط أمني عازلة تتصل جغرافياً بالمنطقة العازلة في سوريا.

وفي الوقت الذي اعتُبرت الغارة التي نفّذتها إسرائيل ليل الجمعة على البقاع الغربي (عين التينة) بمثابة «تعليمِ» حدود «الوُجهة التالية» عسكرياً، وكذلك الغارات على النبطية وقضاء صور (أدت إلى سقوط 4 ضحايا بينهم شابة و30 جريحاً بينهم نساء وأطفال) والتي أعلن جيشها انها جاءت رداً على إطلاق حزب الله مسيّرة على قواته في المنطقة الأمنية وبهدف «إزالة تهديد فوري» ضدّ مواطنيها، فقد بدا من الصعب الجزم بما إذا كانت تل أبيب ستكون طليقة اليدين في مثل هذا النوع من التصعيد «المنفلش» والذي يذهب أبعد من «العملية الجراحية» التي نفّذها في علي الطاهر وامتدت منذ منتصف يونيو.

وفي هذا السياق ترى أوساط سياسية أن الولايات المتحدة التي أدارت التصعيد الإسرائيلي جنوباً بما يَمنع انهيار المفاوضات المباشرة بين بيروت وتل أبيب أو يستدرج انفجاراً يبدّد «الحصار بصفر تسرُّب» الذي بدأته على إيران، يصعب أن توافق على أي خطوة من نتنياهو تخرّب على هذه المعادلة الدقيقة، من دون أن يمنع ذلك أن يَمْضي الأخير ربما بتكرار «سيناريو التلة» في مرتفعات أخرى أي على طريقة القضم التدريجي والحصار في حال امتدّ ستاتيكو المواجهة الحالي مع طهران حتى الانتخابات النصفية الأميركية في نوفمبر.

- أن محاولةَ قريبين من المحور الإيراني وَضْعَ سقوط علي الطاهر في سياقِ ترتيباتٍ أو تفاهماتٍ أميركية - إيرانية ساهمتْ في «دوزنة» التصعيد بما لا يستدرج دخولاً لطهران على خط معركة التلة بعدما كانت أبلغت عبر وسطاء تحذيراً من هجومٍ شامل على هذه المرتفعات يجبرها على الردّ، يندرج وفق خصوم الحزب في خانةِ «تجميل الواقع المُرّ» الذي شكّله احتلال هذه المرتفعات وإطلاق إسرائيل عمليةً ستُستكمل لتطهير بنيتها السفلية بالكامل، وذلك عبر الإيحاء بأن ما جرى كان نتاج «توازنٍ» أرستْه إيران وأفضى عملياً إلى فرْضِ أن «تأكل تل أبيب التلة بالشوكة والسكين وليس نَهْشها».

وفي رأي هؤلاء أنّ مثل هذه المناخات، تعني في جوهرها أن إيران، التي حاولت «استدراج عروض» من الولايات المتحدة عبر جبهة لبنان لتكسر «الصمت التفاوضي» الأميركي معها وإعلاء الرئيس دونالد ترامب شعار لا صوت يعلو فوق صوت الحصار، لم تعد تملك في لبنان سوى أن تعطي وتعطي واشنطن ومن كيس حزب الله نفسه. 

وسام أبوحرفوش وليندا عازار- الراي