يكمن الإنجاز الأكبر الذي حقّقه الرئيس السوريّ أحمد الشرع، منذ 8 كانون الأوّل 2024، في الانقلاب المتدرّج للغرب عامّة والإدارة الأميركيّة خاصّة على الصورة النمطيّة التي تشكّلت منذ هجمات 11 أيلول 2001، بشأن استحالة التحاور مع الجهاديّ السنّيّ، وإمكان التعامل بمرونة نسبيّة مع الجهاديّ الشيعيّ… ليتجاوز بذلك إنجازه في إسقاط نظام بغيض في حملة خاطفة استغرقت 11 يوماً فقط، وبخسائر محدودة جدّاً في صفوف المعارضة المنتصرة والنظام المهزوم، وفي رفع العقوبات الكثيرة المفروضة على سوريا منذ عهد حافظ الأسد عام 1979، وباعتبار سوريا دولة راعية للإرهاب، فضلاً عن تنظيف سجلّ الجهاديّين من تهمة الإرهاب وعلى رأسهم أبو محمّد الجولاني.
فرصة إيرانيّة ذهبيّة
مثّل هجوم تنظيم القاعدة على الولايات المتّحدة في 11 أيلول تحوّلاً حاسماً في اتّجاهين:
1- ترسيخ الجهاديّ السنّيّ بوصفه العدوّ الأوّل، الواجب الاستعداد له، ومواجهته بكلّ الوسائل، ودون أيّ قيود أو حدود.
2- الاقتراب من فكرة أنّ الجهاديّ الشيعيّ، سواء كان في إيران أو في البلدان التي تخترقها طهران، يمكن التواصل معه، والتحاور في مصالح مشتركة معه، أو الالتزام عموماً باتّفاقات ثنائيّة وظرفيّة مع إيران، ومع وكلائها في المنطقة من ضمن البراغماتيّة الأميركيّة المعروفة.
بالمقابل، استغلّت الجمهوريّة الإسلاميّة إلى أقصى الحدود المتاحة لها، مفردات الواقع الدوليّ الجديد إثر محاولة تنفيذ هجمات إرهابيّة على الولايات المتّحدة، وتنفيذ أعمال أخرى في دول أوروبيّة. وبدأت تسوّق نفسها كقوّة رادعة أو حاجزة لحماية المنطقة، من الإرهاب السنّيّ الصاعد.
نجحت إيران في عهد الرئيس الإصلاحيّ محمّد خاتمي (حَكَم بين عامي 1997 و2005) في عقد صفقة مجزية، وهي التعاون الفعّال مع الغزاة الأميركيّين وحلفائهم، في أفغانستان ضدّ حركة طالبان، 2001، وفي العراق ضدّ حكم البعث بقيادة صدّام حسين، 2003. مهّدت طهران لواشنطن سُبُل السيطرة، وشاركتها في بناء الدولة الجديدة في كابل كما في بغداد.
لكنّها بالمقابل، سهّلت للقوى المناهضة لأميركا مقاومة الاحتلالين في أفغانستان وفي العراق، فكان لها سهمٌ في استنزاف الجيش الأميركيّ في البلدين. وكان ذلك على وجه الخصوص، في عهد الرئيس المحافظ محمود أحمدي نجاد (حَكَم بين عامَي 2005 و2013)، وكأنّ دولته غير دولة خاتمي. وكان للحرس الثوري دوره المعروف في التنسيق والتذخير والدعم.
أمّا ظهور “الدولة الإسلاميّة في العراق والشام” عام 2013، في عهد الرئيس الإصلاحيّ حسن روحاني (حَكَم بين عامَي 2013 و2021)، وانتشار إرهابها في المنطقة وأنحاء متفرّقة من العالم، وفي قلب الولايات المتّحدة وأوروبا، فكان الفرصة الذهبيّة للمشروع الإيرانيّ كي ينال دوراً أكبر وشراكة أعمّ مع التحالف الدوليّ، وعلى رأسه واشنطن، وتحت عنوان: “محاربة داعش”.
ذكرى اتّفاق 2015 النّوويّ..
في عهد روحاني، عقدت الجمهوريّة الإسلاميّة صفقتها الأغلى مع الرئيس الأميركيّ السابق باراك أوباما (حَكَم بين عامَي 2009 و2017). فبعد مفاوضات صعبة دامت 18 شهراً، تمّ الاتّفاق عام 2015 بين إيران والدول الدائمة العضويّة في مجلس الأمن مع ألمانيا على ما سُمّي: “خطّة العمل الشاملة المشتركة”.
قضت الصفقة السياسيّة الموازية لمفاوضات الاتّفاق النوويّ، وبعد إبرامه، بإطلاق يد إيران في المنطقة. وعلى هذا، قام النظام الطائفيّ في بغداد، بقمع انتفاضة العشائر السنّيّة عام 2013، والتي كانت تطالب بإخراج أبنائها وبناتها من السجون، وتولّى النظام الطائفيّ في سوريا قمع الثورة الشعبيّة المطالِبة بالحرّية والكرامة، بدعم مباشر من إيران ووكلائها في لبنان والعراق وباكستان وأفغانستان، وبالتحالف الوثيق مع روسيا الاتّحاديّة ابتداء من أواخر أيلول 2015، أي عقب الاتّفاق النوويّ بأشهر قليلة.
كان هذا إعلان ولادة إيران كقوّة إقليميّة برضا أميركيّ، فاصطدم ذلك مع المشروع الصهيونيّ مباشرة، والذي يطمح بدوره ليكون هو القوّة الإقليميّة في الإقليم. وتولّى بنيامين نتنياهو منذ ذلك الوقت التحذير من البرنامج العسكريّ النوويّ لإيران، وتعهّد بالقضاء عليه. وظلّ رئيساً للوزراء بين عامَي 2009 و2021. وبفضل علاقته الوطيدة مع الرئيس دونالد ترامب، أقنعه بالانسحاب من الاتّفاق النوويّ خلال ولايته الأولى عام 2018. ثمّ أقدم ترامب على اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوريّ الجنرال قاسم سليماني مطلع عام 2020. وكانت تلك ذروة الصدام بين طهران وواشنطن.
لكنّ الصدام لم يدُم طويلاً بسبب خسارة ترامب الانتخابات الرئاسيّة في تشرين الثاني من العام نفسه. واستؤنف الصدام مع إيران بعد أشهر من تسلّمه الولاية الثانية في كانون الثاني 2025. وكان هذا مؤشّراً سيّئاً للغاية بنظر إيران، بالتزامن مع الحرب المستعرة في غزّة بين إسرائيل و”حماس” حليفة طهران، عقب “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023.
جهاديّ سابق يقلب المعادلة
بالنسبة لإسرائيل لا فرق بين المجلس الجهاديّ في “الحزب” ومجلس الشورى في “تنظيم القاعدة” أو “تنظيم الدولة الإسلاميّة”. فلا فرق بين جهاديّ شيعيّ وجهاديّ سنّيّ، إلّا بالظروف الحاكمة، والتواقيت المناسبة.
أمّا بالنسبة للولايات المتّحدة، فلا تمانع التحاور مع ألدّ أعدائها، وعقد الصفقات معهم، نظراً للبراغماتيّة العالية المستوى، التي تميّز السياسة الخارجيّة الأميركيّة. فكيف إذا كانت واشنطن أمام قياديّ جهاديّ ينقلب على “القاعدة” ثمّ على “داعش”، ويحارب “الحزب”؟ فهل تُفلت هذه الفرصة من يدها، وهي التي أدارت في العراق مشروع الانقلاب العشائريّ السنّيّ على “القاعدة” عام 2006، عندما كان الجنرال ديفيد بترايوس قائداً للقوّات الأميركيّة هناك بين عامَي 2006 و2008، وسُمّي هذا البرنامج عموماً بمشروع الصحوات؟
بما أنّ “أبا محمّد الجولاني”، أحمد الشرع، كان مسجوناً في تلك الفترة، بين عامَي 2006 و2011، فقد اعتبرته الدولة العميقة الأميركيّة من أفضل إنتاجات مشروع بترايوس للانقضاض على الجماعات الجهاديّة السنّيّة، وهو ما سهّل كثيراً الاعتراف به رئيساً للمرحلة الانتقاليّة. وكان لافتاً اللقاء الودّيّ بين بترايوس والشرع في قمّة كونكورديا السنويّة في مدينة نيويورك، في أيلول 2025.
تعزيز صورة الشّرع
ساهمت التصرّفات اللاحقة للشرع في تعزيز الصورة الإيجابيّة للشرع كرئيس مسؤول، حريص على بناء الدولة، وتصفير المشكلات مع دول الجوار حتّى مع إسرائيل، وتصفية الميليشيات خارج إطار الدولة، واللجوء إلى العدالة الانتقاليّة في بلد منكوب بالمجازر، بحيث أثبت نجاحاً إلى حدّ كبير في كبح جماح الثائرين الراغبين بالانتقام. وبدلاً من سقوط مئات الآلاف من القتلى في الأيّام الأولى من النصر، سقط الآلاف في محاولات تمرّد منظّم في الساحل ثمّ في السويداء، وأخيراً في شمال شرقيّ البلاد.
إذاً النجاح الملحوظ ليس سوريّاً فقط، بل أعاد الشرع “تشكيل صورة الإسلام السياسيّ في الاستراتيجية الغربيّة، فانتقل الإسلام السنّيّ، أو على الأقلّ جزء منه، من كونه موضوعاً أمنيّاً محضاً إلى كونه شريكاً سياسيّاً محتملاً، في الوقت الذي انتقلت فيه إيران وشبكة القوى الشيعيّة المسلّحة المرتبطة بها إلى موقع الخصم الإقليميّ الرئيسيّ للغرب. وهذا الانقلاب خطير في معانيه السياسيّة، وأبعاده الاستراتيجيّة في المنطقة والعالم، حتّى لو لم يحرّك الشرع أيّ مدفع أو دبّابة باتّجاه الحدود العراقيّة أو اللبنانيّة. ولا يمكن إزالة هذا الخطر الأيديولوجيّ والاستراتيجيّ عن إيران، بمجرّد إزاحة الشرع من الصورة. فمن دون تشويه صورة الإسلاميّين السنّة وإعادتهم مجدّداً إلى التنميط الداعشيّ، لن تستفيد طهران من خلخلة الوضع السوريّ أو زعزعة سلطة الجهاديّين الجدد في دمشق.
نجاح سنّيّ وفشل شيعيّ
لماذا نجح الشّرع وفشل خامنئي؟
هذا هو السؤال الجوهريّ الذي ينبغي العثور على جواب صريح له ومن دون مواربة. بالعودة إلى العصر الذهبيّ الإيرانيّ ما بين هجمات 11 أيلول 2001، و”طوفان الأقصى” بقيادة يحيى السنوار 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، فإنّ طهران لم تطبّع علاقاتها رسميّاً مع واشنطن، أي لم تبنِ علاقة مؤسّساتيّة ومستدامة مع الولايات المتّحدة، كي تستمرّ في استثمار الاتّفاق النوويّ سياسيّاً واستراتيجيّاً في المنطقة… حتّى بعد نجاح طهران في تخطّي اغتيال خامنئي في 28 شباط الماضي، وحصولها على مذكّرة التفاهم مع الولايات المتّحدة في حزيران الماضي، وفيها تلتزم واشنطن، بالتعاون مع شركائها الإقليميّين، بوضع برنامج لإعادة الإعمار والتنمية الاقتصاديّة في إيران بقيمة لا تقلّ عن 300 مليار دولار، مع تحديد آليّة التنفيذ ضمن الاتّفاق النهائيّ.
في مقابل الالتزام الأميركيّ بإنهاء جميع العقوبات المفروضة على إيران، بما فيها العقوبات المرتبطة بالأمم المتّحدة والوكالة الدوليّة للطاقة الذرّيّة والعقوبات الأميركيّة الأحاديّة، وفق جدول زمنيّ يتمّ الاتّفاق عليه، مع الاعتراف الضمنيّ بدور إيران في مضيق هرمز إلى حين إبرام الاتّفاق النهائيّ بشأن البرنامج النوويّ، افتقر السياسيّون الإيرانيّون إلى المرونة المعهودة منهم، بسبب ضغوط العسكريّين المؤدلجين عليهم. بالمقابل، أبدى الجهاديّ السابق أحمد الشرع المرونة الكافية لرفع كلّ العقوبات عنه، وعن تنظيمه السابق، وعن سوريا كلّها. وفتح للشعب السوري أبواب حرية العمل مع دول العالم القادرة على إعادة الدورة الاقتصادية بالتدرّج إلى حياتهم الطبيعية، مع الاعتراف بأنّ هذه الخطوة الجبّارة يحتاج تحقيقها إلى سنوات لا تقلّ عن خمس.
هشام عليوان -اساس
