صحافة

صورتك في يد الذّكاء الاصطناعي... هل يحميك القانون في لبنان؟



صورةٌ واحدة منشورة على حسابٍ في مواقع التواصل الاجتماعي قد تكون كافية. يأخذها شخصٌ آخر، يضعها في أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وبعد ثوانٍ تظهر في مكان لم تزره، أو بملابس لم ترتدها، أو في إعلان لم توافق عليه، أو حتى في مشهدٍ مسيء لم يحصل أصلاً! مع التطوّر السريع في تقنيّات الذكاء الاصطناعي والـDeepfake، باتت التكنولوجيا قادرة على صناعة نسخة رقميّة شبه مطابقة لنا واستخدامها لأغراض مختلفة من دون إذننا… ولكن ماذا يقول القانون؟

تُشدّد المحامية دارين قباني على أنّه "لا يحقّ لأيّ شخص استعمال صورة لشخص آخر أو تعديلها أو تركيبها أو نشرها من دون موافقته متى شكّل ذلك مساساً بخصوصيته أو بحقوقه سواء تمّ بواسطة الذّكاء الاصطناعي أو بأيّ وسيلة أخرى، إذ يُمكن أن يرتّب هذا الفعل مسؤوليّة مدنية وجزائية وفقاً للقانون اللبناني".

وتُضيف، في مقابلة مع موقع MTV، "أمّا بالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي تحديداً، فلم يواكب التّشريع اللبناني حتى اليوم هذا التطوّر بصورة شاملة ولا يوجد إطار قانوني خاصّ ينظّم مختلف حالات إساءة استخدامه، إلا أنّ ذلك لا يحول دون الملاحقة إذ يُمكن للقضاء الاستعانة بخبراء متخصّصين للتحقّق من التلاعب بالصّورة والاستناد إلى الأدلة الرقميّة لتعقّب مصدرها وتحديد هوية المسؤول عنها"، معتبرة أنه "من هنا تبرز الحاجة إلى تشريعات حديثة ومتخصّصة تواكب التطوّر التكنولوجي المُتسارع وتحدد بصورة أوضح المسؤوليات والضوابط المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي".

سابقة قضائية في لبنان...
صحيحٌ أنّ لبنان لا يملك حتى الآن قانوناً شاملاً خاصّاً بالذكاء الاصطناعي، ولكنّ الحماية يُمكن أن تأتي من قوانين موجودة أساساً، وأبرزها القانون 81/2018 المتعلّق بالمعاملات الإلكترونيّة والبيانات ذات الطابع الشخصي. فصّورة الشخص القابلة للتعريف به يمكن أن تشكّل بيانات شخصيّة، ووجودها على Instagram أو Facebook لا يعني تلقائياً أن الآخرين يملكون حقّ أخذها واستخدامها كما يريدون.

وتبرز في هذا السياق سابقة قضائية لبنانية تمّ نشرها في مجلّة المحكمة، تسردها قبّاني لموقعنا: "القضية بدأت عندما سمح صاحب عمل لأحد العاملين لديه باستعمال هاتفه لإكمال مكالمة مع زبون. العامل دخل من دون إذن إلى ملف الصّور، ووجد صوراً خاصّة وحميمة لزوجة صاحب العمل، فنقل ثلاث صور إلى هاتفه عبر AirDrop واحتفظ بها. لاحقاً، زوجة العامل نسخت الصور إلى هاتفها، ثم وضعت إحدى الصّور على WhatsApp Story، لكنها حصرت مشاهدتها بصاحبة الصّورة نفسها بقصد مضايقتها وإغاظتها". 

واعتبرت المحكمة أنّ الصّور الرقميّة هي بيانات شخصيّة، وأن الصّور الحميمة أو المتعلقة بجسد الشّخص وحياته الخاصّة تُعتبر بيانات شخصية حساسة، الا أنّ النقطة الأهم في الحكم وفق ما نُشر، هي أنه لا يشترط نشر الصّورة أمام الناس حتى تقوم المخالفة، فمجرد نسخ أو حفظ أو تخزين صورة شخصيّة حساسة لشخص آخر من دون علمه وموافقته الصّريحة يمكن أن يشكل معالجة غير مشروعة واعتداءً على الخصوصيّة والحق في الصّورة. وحتى الاستعمال الذي يدّعي الشخص أنه "شخصي" لا يحميه إذا كان يمسّ خصوصيّة الغير.

وفي تفاصيل الحكم أيضاً، فقد فرّقت المحكمة بين هذا الفعل وبين السّرقة التقليدية: نسخ الصّورة الرقميّة لا يشكل سرقة بالمفهوم التقليدي لأنّ الصّورة تبقى موجودة لدى صاحبها ولا يحصل انتزاع لمال مادي. لكن الفعل يمكن أن يشكل معالجة غير مشروعة للبيانات الشخصيّة وفق القانون 81/2018.

وفي النهاية، أدانت المحكمة الشخصين بجنحة المعالجة غير المشروعة للبيانات الشخصية وفق المادة 106 من القانون 81/2018، وفرضت على كل منهما غرامة 30 مليون ليرة لبنانية، وألزمتهما بالتضامن بدفع 300 مليون ليرة لبنانية تعويضاً للمدعيين. واعتبرت أن مجرد الاعتداء على الحياة الخاصة يرتب حقاً بالتعويض، حتى من دون ضرورة إثبات ضرر إضافيّ مُستقلّ.

ماذا في الخلاصة القانونية للحكم الصّادر عن القاضي إميل عازار؟ الصّورة الشخصية، ولا سيما الحميمة، هي من البيانات الشخصيّة المحميّة، ومجرد الحصول عليها أو نسخها أو تخزينها أو استعمالها من دون موافقة صاحبها قد يشكّل جرماً بموجب القانون اللبناني، حتى ولو لم تُنشر للعموم.

وفي هذا السياق، تلفت قباني الى أنّ "هذا الحكم يعطي أساساً قانونيّاً قوياً للقول إنّ القانون اللبناني الحالي يمكن أن يتدخّل حتى قبل وجود قانون خاصّ بالذكاء الاصطناعي، فالصّورة نفسها بيانات شخصيّة، ونسخها وتخزينها ومعالجتها واستعمالها من دون رضا صاحبها يمكن أن تقع تحت قانون 81/2018. أما التّعديل بواسطة الذكاء الاصطناعي بحدّ ذاته وكيفية تنظيمه كفعل مستقلّ، فهذه مسألة مُختلفة وتبقى بحاجة إلى معالجة تشريعيّة محدّدة أكثر".

في زمنٍ بات فيه التّزييف أسهل من كشفه، لم تعد حماية صورتنا وخصوصيّتنا ترفاً قانونياً، بل ضرورة قصوى، وهنا يبرز السؤال الجوهري: من يحمينا حين يُصبح بإمكان أيّ شخص أن يصنع نسخةً منّا لم تكن يوماً نحن؟ 

جيسيكا حبشي - موقع MTV