بقلم العميد المتقاعد فايز مشموشي
ما يجري في الجنوب يتجاوز التصعيد العسكري إلى محاولة إعادة رسم الواقع الأمني والسياسي للمنطقة. وفي قلب هذا المشهد تبرز قضية علي الطاهر، التي تختصر مأزق الدولة اللبنانية في امتلاك قرارها.
كان يفترض أن يكون الموقع في عهدة الدولة والجيش، لكن رفض تسليمه للجيش، ثم سقوطه في سياق مفاوضات خارجية وتسوية مرتبطة بإيران، يطرح أسئلة لا تزال بلا أجوبة واضحة حول الجهة التي اتخذت القرار وأسباب هذه التسوية وما إذا كانت قد حملت التزامات تتجاوز الجنوب نفسه.
أما الجيش، فلا يمكن أن يبقى دوره محصوراً في استلام المواقع بعد حسم مصيرها في الخارج. فالمطلوب أن يكون صاحب حضور وقرار على الأرض، وأن تكون الدولة شريكاً أساسياً في أي تفاوض يتعلق بأمن الجنوب وحدوده ومستقبله.
في المقابل، تبدو إسرائيل متجهة إلى تثبيت واقع أمني جديد، قد يأخذ شكل «خط رمادي» يفصل بين مناطق يسمح فيها للجيش اللبناني بالانتشار، وأخرى تحتفظ فيها إسرائيل بهامش أمني وعسكري مفتوح. والخطر أن يتحول هذا الخط، مع الوقت، من إجراء أمني مؤقت إلى حدود أمر واقع.
الحديث عن «الخط الرمادي» لا يعني بالضرورة ترسيماً جديداً للحدود، بل يشير إلى واقع أمني وسياسي قد يُفرض تدريجياً في الجنوب: لا احتلال إسرائيلي معلن، ولا سيادة لبنانية مكتملة، بل مناطق تتحرك فيها إسرائيل وفق ما تعتبره احتياجاتها الأمنية، مقابل انتشار لبناني محدود ومحكوم بتفاهمات غير واضحة.
وهنا تبرز دلالة مفاوضات روما. فالإصرار على إبقاء المسار التفاوضي قائماً، رغم تعثره وعدم تحقيق اختراق واضح في الملفات الأساسية، يطرح سؤالاً حول جدوى التفاوض إذا كان الواقع الميداني يتغير في موازاته. فإذا كانت المفاوضات لا تنتج انسحاباً واضحاً ولا تثبيتاً لسيادة الدولة، فإنها تخاطر بالتحول إلى إدارة للتصعيد بدلاً من إنهائه.
من هذه الزاوية، قد يكون «الخط الرمادي» هو النتيجة غير المعلنة لفشل التفاوض: إسرائيل ترسم ميدانياً هامشها الأمني، ولبنان ينتظر اتفاقاً يعيد إليه كامل السيادة، فيما يتحول «الإصرار التفاوضي» إلى حالة انتظار مفتوحة.
وهنا تكمن مسؤولية الدولة اللبنانية والجيش تحديداً: ألا تتحول المفاوضات إلى بديل عن السيادة، وألا يصبح ما يُفرض ميدانياً هو الأساس الذي يُفاوض لبنان لاحقاً على الاعتراف به. فالمطلوب ليس مجرد استمرار التفاوض، بل تفاوض يؤدي إلى نتيجة واضحة: وقف الأعمال العدائية، انسحاب إسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني على كامل الأراضي اللبنانية من دون خطوط رمادية جديدة.
