كلما اقتربت إسرائيل من استحقاق انتخابي، ارتفعت حدة التصعيد، وكأنّ الحرب تتحول إلى صندوق اقتراع آخر. وبينما يسعى بنيامين نتنياهو إلى ترميم صورته السياسية وحسم المنافسة لمصلحته، تبدو غزة والجنوب اللبناني وإيران أوراقًا مفتوحة في معركته الداخلية، يستخدمها وفق ميزان الربح والخسارة السياسي. وفي هذا المشهد، يتحول لبنان مرة أخرى إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، فيما يدفع الجنوب وأهله الثمن.
تستثمر إسرائيل في تفوقها العسكري وفي استمرار العمليات على أكثر من جبهة، بينما يصرُّ حزب الله على إبقاء الخيار العسكري حاضرًا، رغم الكلفة الباهظة التي يدفعها الجنوب من أرواح وبيوت وأرزاق واستقرار اجتماعي. والمفارقة أن استمرار هذا النهج لا يؤدي إلى حماية الجنوب، بل يمنح إسرائيل المزيد من الذرائع لتثبيت وجودها في مناطق تعتبرها ذات أهمية أمنية واستراتيجية.
الأخطر أن الحرب لا تنتهي عند حدود القصف والاحتلال. فتدمير القرى وجرف المنازل وقطع سبل الحياة تهدف إلى تحويل التهجير المؤقت إلى واقع دائم. وكلما طال غياب الأهالي عن أرضهم، ازدادت صعوبة العودة وإعادة بناء الحياة، بما يهدد بتغيير ديمغرافي لواقع الجنوب الاجتماعي والعمراني، ويمحو تدريجيًا ذاكرة المكان.
في المقابل، يبدو أن حزب الله لا يزال متمسكًا بخيار السلاح، في وقت يفترض أن تكون فيه الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار الحصري في الحرب والسلم. وكان من الممكن للبنان أن يستثمر التحول في الموقف الدولي، والانتقادات المتزايدة للسياسة الإسرائيلية، لتحويل الجنوب من ساحة مواجهة إلى ورقة ضغط سياسية ودبلوماسية. لكن المصلحة الوطنية لا تتطابق دائمًا مع حسابات القوى الإقليمية، وفي مقدمتها إيران.
وقد لخّص المفكر الاستراتيجي الصيني سون تزو، في «فن الحرب»، قاعدة بالغة الدلالة: «أسمى فنون الحرب إخضاع العدو من دون قتال». وهي قاعدة تطرح سؤالًا مؤلمًا على اللبنانيين: ماذا لو كانت أفضل وسيلة لحماية الجنوب اليوم هي استعادة الدولة لدورها، بدل إبقائه رهينة حرب مفتوحة لا يملك لبنان وحده قرار إنهائها؟
فهل يستمر التصعيد الإسرائيلي إلى ما بعد الانتخابات المقبلة؟ وهل تؤجل المفاوضات المباشرة إلى ما بعد مؤتمر دعم الجيش اللبناني، ريثما تتضح نتائج الاستحقاقات السياسية؟ والأهم: هل يمتلك حزب الله هامشًا مستقلًا عن الحسابات الإيرانية عندما يصبح الجنوب وأهله أمام خطر أكبر؟
قد تكون الأيام المقبلة أصعب مما نعيشه اليوم. والخطر أن تتحول المواقع التي تحتلها إسرائيل حاليًا إلى وقائع ثابتة يصعب التراجع عنها لاحقًا. لذلك، فإن إنقاذ الجنوب لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى قرار وطني يعيد الاعتبار للدولة، ويحمي الأرض والناس قبل أن يصبح ثمن العودة أكبر من قدرة لبنان على تحمُّله.
اللواء - نادين سلام
