طلاب البلد

دولار يجوعني و لا قذيفة تقتلني !


 

أي ذنب اقترفنا نحن كشعب لبناني لنشهد كل هذا الإذلال، لنتناول القلق كوجبة أساسية مع خبزنا اليومي ونستشف مرارة الخوف مع كل كوب قهوة صباحية ترافقها أخبار الساعة، فترمينا في تحليل غوغائي للمستقبل الذي ما أن يخطر لبرهة في بالنا حتى نهرب من متاهاته الكارثية ببعض الأحلام الثائرة، ببعض الذكريات، ببعض من ال"رزق لله!". ولكن الأسوأ حين تركب سيارة الأجرة ويعاد على مسامعك الشريط نفسه وبالتالي تلك العبارة المرعبة التي أمست عنوان الحدث "صرنا نترحم عإيام الحرب!"
وما أدراكم ما تداعيات الحرب النفسية والخسائر المكبدة في نهاية الطريق المحفوف بالإحتمالات الخطيرة؟!
في ظل الأوضاع الصعبة التي يمر بها لبنان على كافة الأصعدة، بدأت شريحة كبيرة من اللبنانيين تترحم على زمن الحرب. وعندما تسألهم عن السبب الذي أودى بهم الى هكذا إستنتاج، يجيبون بأن حقوقهم الحياتية في الأكل والشرب لم تكن مسلوبة لهذه الدرجة "بعد"، وأموالهم لم تكن منهوبة "بعد"، وجنى عمرهم لم يكن قد وصل "بعد" الى جيوب المحاصصين. فإلى أي واقع مرير وصلنا لنترحم على أيام سطو السلاح، ظلمة الملاجئ، أصوات القذائف وصدى الأبواق المرعبة! 
فضلاً عن ان بعضهم يقول ان الكهرباء كانت متوفرة، الدواء والخدمات الاستشفائية كذلك، أما اليوم فأدنى الحقوق غير متوفرة! وكأن هناك ثمة تكتيك ممنهج بإحترافية ظالمة تجبر المواطن اللبناني على خوض جميع المعارك ولكن بطرق مختلفة، وبالتالي إذلاله تارة بقوته اليومي وتارة أخرى بأمنه. ولكن ما ان ينهوا حديثهم حتى تدق صدمات الماضي باب قلبهم  وتتوالى في خيالهم صور قاتمة من تلك المرحلة السوداء، كالقذيفة التي دمرت بيت احدهم، الصاروخ الذي سقط في غرفة نوم احد معارفهم، تجمّع الناس للهروب الى الملاجئ، الحصارات... فتصيبهم تلك الرعشة المضطربة ويقول احدهم "الله لا يرجعنا لهيديكي الإيام"! وآخر يصرخ: "دولار يجوعني ولا قذيفة تقتلني "!  
وهكذا تتجلى كتلة من التناقضات المجبولة بالرومانسية الوطنية تارة، والغضب الى حد نكران الهوية تارة اخرى. كل ذلك نتيجة اهمال او جهل سلطة لم تيأس من إعلان ولائها الدؤوب للفساد، ففي الحالتين توقيع على الجريمة المقترفة بحق كل مواطن لبناني حين تنخر جروحه بلا كلل. 
اذا، الحرب الاقتصادية وتداعياتها النفسية على اللبنانيين وضعتهم امام مقاربة غريبة لأحداث الماضي انطلاقا" مما يحدث اليوم في البلد من أزمات على كافة الاصعدة، مما ادَى الى انقسام  المجتمع بين فئتين نتيجة انهيار العملة ، منها من تتقاضى دخلها بالدولار ومنها من تتقاضاه بالليرة اللبنانية، منها من تنتظر الدولار ليرتفع ومنها من تصلي كي يتنازل عن علوه الشاهق الى درجة المعقول، الى جانب تقلبات مزاجية  وتحليلات تاريخية يحكمها الإنكار وتترجمها الصدمة.
ولكن  من ناحية اخرى، اننا كشعب لبناني نتصف بحبنا للحياة نوعا ما، أو بأننا شعب لا يتعلم من أخطائه أيضا" وفي كلا الأمرين شيء من الحقيقة. فنظام الزبائنية الذي يتغلغل في مجتمعنا ويشغل منصب إدارة شؤون المواطنين وتأمين أدنى حقوقهم في ظل الغياب التام للمعنيين لأسباب قاهرة تتصل بتحقيق المصالح الشخصية أولا ومصلحة المواطن أبدا. فتؤمن هذه الفئة السياسية  لأتباعها بعض اللَوازم الحياتية التي تشفي غليلهم ولكن لا تروي عطشهم للحريَة، فيجدون أنفسهم يقايضون مبادئهم الوطنية ببعض الحاجات الآنية تحت راية حماية حقوق الطائفة وتمرير هذه الأيام العصيبة. بالإضافة الى ان ورغم كل ذلك ما زال بعضهم مدمنا على الأمل وعلى يقين تام ان لا بد من ان يحدث امر ما في نهاية المطاف ويستعيد كل صاحب حق حقه! ولولا الإيمان أعتقد أننا كنا في حالة مأساوية مريعة. ولكن لا بد من قراءة الواقع بشفافية مع أننا محكومون بالإنكار المدقع أحيانا للاستمراريَة. أما الأمل الذي يتمسك به كل مواطن لبناني يحمل هم هذا الوطن فهو الانتخابات النيابية المقبلة، الحدث المفصلي والوسيلة الوحيدة المتاحة  للتغيير الجذري، رافضا بأن يفكر لهنيهة بإحتماليَة ظهور مباغت لسيناريوهات بإمكانها أن تعرقل حدوث أو تأجيل هذا الاستحقاق الذي يعتبر بوابة الخلاص للبنان واللبنانيين الى أجل غير مسمى خدمة لأصحاب المناصب الزائفة.
ختاما"، صحيح أن المواطن اللبناني امسى في وضع بات فيه يترحم على أيام  الحرب ولكن ما أن تخطر في باله تلك المرحلة حتى يتنبَه الى خطورة الأمر، وذلك لانه يخوض بالمعنى الفعلي حربا نفسية قائمة بين اليأس والأمل، معركة يومية بين السعي والتراجع وصراع دائم من أجل البقاء. انه محكوم بنسيج من التناقضات التي تتغذى من الصدمات المتتالية. فبئس زمن أمسى فيه الحق في العيش مقرونا بالذلِ والتوبيخ، تائهين ما بين التأقلم المرير والإستسلام الفاجع ولبنان ما بين الاثنين ينازع!
ولكن اوليس لبنان "قلب الله"؟!  فعلى نية التحرر من الطغاة وعودة الحرية لشعب تليق به ولم يشهدها الا برهة من الزمن الجميل. من هنا حتى حلول اليوم الموعود تصبحون على لبنان جديد منير خال من أعداء الخير وفاقدي الضمير.
تصبحون على وطن!

 
اليانا حبشي 
إجازة في العلاقات العامة والاعلان-كلية الاعلام-الجامعة اللبنانية.

https://twitter.com/ElianaHabchy16