موقف البلد

كلمة البلد - بعيدًا عن التنجيم والتمنيات... ماذا ينتظرنا وماذا يجب علينا أن نفعل في 2026؟



مع بداية كل عام غالبًا ما نُكثِر من التمنيات والدعاءات بأن يكون أفضل من العام الذي عبر وعبرت معه هموم وأحداث ونجاحات وانكسارات. نحن البشر، وهذا في طبعنا وطبيعتنا، نطمح دائمًا للأفضل ونرى النقطة السوداء في صفحة بيضاء ولا نرى مساحة البياض حولها. ولو كنا كذلك لأنصفنا السنوات في أحداثها الحلوة منها والمرّة.
في مطلع هذا العام، وبعيدًا عن التمنيات التي لا تخرج عن إطار اللياقة أكثر مما هي مسائل قابلة للتنفيذ، وبعيدًا عن لعن السنوات الآفلة بدل التعلّم من تجاربها، لا بدّ من التبصّر في حالنا وحال البلد. طبعًا لا يقوم الأمر على التنجيم وقد تمادى أربابه في ادعاء قراءة الغيب ومعرفة المستقبل، وهم مجرّد جماعة أصدق ما قيل فيهم: "كذب المنجمون ولو صدقوا".
من هناك إلى أرض الواقع، شهد العام الماضي أحداثًا ومحطات يجدر التوقف عندها للإستناد إليها انطلاقًا إلى المستقبل. فقد اعتُبر العام 2025 عامًا مفصليًا في تاريخ لبنان الحديث نظرًا إلى ما تخلله من محطات مؤثرة في مسار الأحداث لعقود آتية. سواء أكان ذلك على المستوى السياسي أو الأمني أو الإقتصادي.
فسياسيًا حصلت تحوّلات وأحداث بارزة على رأسها انتخاب العماد جوزيف عون رئيسًا للجمهورية في 9 كانون الثاني بعد فراغ دام سنتين، وتشكيل حكومة الرئيس نواف سلام في 8 شباط وانطلاق مشاورات طويلة بين القوى السياسية، بهدف رسم مسار إصلاحي يختلف عن نهج الحكومات السابقة. وكان أبرز مظاهرها إلغاء معادلة "جيش وشعب ومقاومة" من بيانها الوزاري، بحيث لم ترد العبارة لا صراحة ولا تلميحًا، كما كان يحصل من قبل. 
كذلك شهد العام 2025 في أيار أول انتخابات محلية بعد نحو 10 سنوات على آخر انتخابات، ما اعتُبر محطة سياسية وإدارية مهمة. ثم أقفل على زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان وتعيين رئيس مدني للوفد المفاوض مع إسرائيل في اجتماعات "الميكانيزم" هو السفير سيمون كرم. وفي تشرين الثاني 2025 وقّع لبنان اتفاقًا مع قبرص لترسيم الحدود البحرية، ما يمهّد الطريق للاستفادة من موارد الطاقة البحرية المحتملة، وهو ملف اقتصادي واستراتيجي مهم. فيما بقي الجدل قائمًا حول قانون الإنتخاب وتمكين المنتشرين من التصويت لـ128 نائبًا، من دون أن يستجيب رئيس المجلس النيابي نبيه بري لمطالب الأكثرية النيابية.
لكن المشهد الأمني ظل هشًّا طيلة العام، مع استمرار التوتر والعمليات الإسرائيلية، وتصاعد الضغوط السياسية والدبلوماسية على حزبلاه في ملفات السلاح والدور السياسي وتخلّف الحكومة عن القيام بدورها. وفي حين أكدت الوقائع الميدانية، ولم ينفِ الحزب، أنه يعيد بناء قدراته العسكرية، سقط له خلال العام المنصرم أكثر من 400 مقاتل بغارات إسرائيلية كان أبرزها اغتيال رئيس أركان الحزب والرجل الثاني فيه هيثم طبطبائي، الإيراني الأصل، ومقتل خمسة أشخاص معه وإصابة 24 آخرين.
أما على المستوى الإقتصادي فقد أظهر تقرير مختص بالتعاون مع البنك الدولي أن لبنان سجّل نموًا في الناتج المحلي الحقيقي عام 2025 بنحو 4.7 في المئة. وفي 27 كانون الأول 2025، أقرّت الحكومة مشروع قانون الفجوة المالية لإصلاح القطاع المصرفي، وإيجاد إطار قانوني لكيفية استرداد الودائع المتجمّدة منذ الأزمة المالية. لكن اقتراح القانون أثار جدلاً واسعًا حول عدالته وتأثيره على صغار المودعين.
هذه المحطات هي في الواقع منطلقات لما يجب العمل عليه في العام 2026. فخلال هذا العام تنتظر لبنان استحقاقات مثل جمع السلاح غير الشرعي، وإجراء الإنتخابات النيابية في موعدها من دون تأخير ومن دون تحوير إرادة الناخبين، سواء في الداخل أو في الإنتشار، للوصول إلى مجلس نيابي يمكنه المشاركة بحق في إدارة الحياة السياسية في البلد وبشكل ديمقراطي مؤسساتي لا فئوي خدمة لمصالح ضيقة.
فمسألة جمع السلاح تطبيقًا للقرارات الدولية ولاتفاق وقف النار بين لبنان وإسرائيل، وقبل كل شيء تطبيقًا للدستور ولسيادة الدولة على كامل أراضيها، هي أمر لا يحتمل المماطلة. يضاف إلى ذلك تجنيب لبنان حربًا قد تكون حتمية في حال تخلّف الحكومة عن القيام بدورها في هذا السياق الذي باتت تفرضه بإلحاح عملية السلام في المنطقة والتي انطلقت ولا من يستطيع الوقوف في طريق وصولها إلى نهاياتها المرسومة.
فالعام 2026 لا يحتاج تنجيمًا ولا توقعات فلكية، بل أكثر ما يحتاجه هو التالي:
•    سلطة فعلية تفرض قراراتها وسيادتها وتطبق القوانين. وإجراء انتخابات نيابية نزيهة تساوي بين الجميع في حق الإقتراع.
•    جمع جدّي لكل سلاح غير شرعي فلسطينيًا كان أم لبنانيًا خاضعًا لأوامر تحريك خارجية. 
•    بناء الإدارات في شكل سليم، لأن لا دولة ناجحة من دون إدارة سليمة وفاعلة. واإدارة الحالية ينخرها الفساد عدى عن أنها مترهلة.
•    تنقية القوى الأمنية كافة من عناصر ضعفها التي تراكمت مع سنوات الوصاية البائدة، وإعادة ولاءها تمامًا إلى السيادة الوطنية. 
•    رفع القضاء قانونًا وإدارةً وممارسة إلى أعلى المراتب، ليقوم بما عليه القيام به من إحقاق الحق لا أن يبقى أداة في خدمة النافذين. 
•    وإعادة النظر في قانون الفجوة المالية بحيث يكون أكثر شفافية وأكثر خدمة لمصالح الناس وليس لمصالح أخرى أكانت خارجية أم داخلية.
قد تكون روزنامة محطات العام 2026 حافلة، لكن التعامل معها يجب أن يكون من الجدية بالمستوى الذي تفرضه حساسية هذه المحطات ومدى تأثيرها على مستقبل لبنان، ربما لقرن آتٍ من الزمن، وتأثيرها بالتالي على وحدته ونظامه واستمراره بالشكل الذي هو فيه اليوم، إن لم يُحسن المسؤولون قراءة المتغيرات والتعامل معها كرجال دولة لا كرجال يعتلون الدولة. والعام 2026 ليس مجرد عام في روزنامة التاريخ إنما مفترق في تاريخ لبنان الحديث.
وبعد، فما لنا نحن المواطنين إلا انتظار تلك المحطات. وفي الإنتظار نعود إلى التمنّي، متمنّين لكم من موقع "أخبار البلد" سنة جديدة تبدأونها بالأمل، وتمضونها بالعمل، وتنهونها بالنجاح!

سيمون سمعان | أخبار البلد