خاص

خاص: جوزاف أمين - القانون والأخلاق



بقلم جوزاف أمين

في عالم السياسة الحديث، باتت الأنظمة تتباهى بعدد القوانين التي تسنّها، وكأن كثافة التشريعات دليلٌ تلقائي على العدالة والتقدّم. تُملأ الجريدة الرسمية بالنصوص، وتُعقد المؤتمرات تحت عناوين الإصلاح، وتُرفع الدساتير إلى مرتبة القداسة، فيما الإنسان نفسه يزداد شعورًا بالظلم والاغتراب وفقدان الكرامة. وهنا يبرز السؤال الأخطر، هل يكفي أن يكون الشيء قانونيًا لكي يكون أخلاقيًا؟
الحقيقة التي تتجاهلها كثير من الدول والطبقات السياسية هي أن القانون، مهما بلغ من الدقة والتنظيم، يبقى عاجزًا وحده عن بناء مجتمع سليم. فالقانون يردع السلوك، لكنه لا يصنع الضمير. يضع الحدود الدنيا للنظام، لكنه لا يخلق الإنسان الراقي أخلاقيًا. ولذلك، فإن المجتمعات التي تعتمد فقط على النصوص تتحول تدريجيًا إلى مجتمعات باردة تحكمها المصالح، حيث يصبح كل شيء مباحًا ما دام لا يخالف بندًا أو مادة في القانون.
أما الأخلاق، فهي القوة التي تجعل الإنسان يرفض الظلم حتى عندما يكون قادرًا على ممارسته قانونيًا. إنها الحاجز الداخلي الذي لا تستطيع المحاكم فرضه، ولا تستطيع الدساتير اختصاره. ومن هنا، فإن الحضارات لم تُبنَ يومًا بالقوانين وحدها، بل بمنظومات القيم التي منحت تلك القوانين معناها الإنساني.
التاريخ السياسي مليء بالأمثلة على أن الشرعية القانونية لا تعني بالضرورة العدالة. كم من أنظمة استبدادية احتمت بالدستور؟ وكم من قرارات قانونية كانت في حقيقتها فضائح أخلاقية؟ وكم من مسؤولين أتقنوا لعبة النصوص لتبرير الفساد أو التهرب من المسؤولية أو تكريس النفوذ؟
المشكلة الكبرى اليوم ليست نقص القوانين، بل غياب الأخلاق عن ممارسة السلطة. ففي لبنان، تحوّلت السياسة إلى إدارة تقنية للمصالح، لا إلى مشروع وطني وإنساني. أصبح السياسي يقيس نجاحه بقدرته على المناورة لا بقدرته على خدمة الناس، وباتت اللغة القانونية تُستخدم أحيانًا كأداة للتحايل بدل أن تكون وسيلة لتحقيق العدالة، إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي وطن هو انفصال القانون عن الضمير. فعندما تُصبح النصوص بلا روح، تتحول الدولة إلى مؤسسة باردة تُدير المجتمع بالأرقام والتوازنات فقط. عندها يفقد المواطن ثقته بالمؤسسات، لا لأن القانون غائب، بل لأن العدالة غائبة خلف ستار القانون نفسه
ولهذا، فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ فقط من تعديل الدساتير أو سنّ القوانين، بل من إعادة الاعتبار لفكرة الأخلاق العامة. أي أن يشعر المسؤول بالخجل من الخطأ قبل خوفه من العقوبة، وأن يدرك السياسي أن السلطة ليست مجرد قدرة على التحكم، بل مسؤولية أخلاقية تجاه الإنسان والوطن.
لقد روّجت السياسة الحديثة طويلًا لفكرة أن "الغاية تبرر الوسيلة"، وأن الواقعية السياسية تقتضي أحيانًا فصل الأخلاق عن الحكم. لكن التجارب أثبتت أن الأنظمة التي تبني قوتها على البراغماتية المجردة قد تنجح مؤقتًا في تثبيت نفوذها، إلا أنها تفشل في بناء أوطان مستقرة من الداخل. لأن الدولة لا تقوم فقط على المؤسسات، بل على الثقة، والثقة لا تُفرض بالقانون بل تُبنى بالأخلاق.
إن المجتمعات التي تنهار أخلاقيًا لا تنقذها كثرة التشريعات. فالفساد لا يبدأ من غياب النصوص، بل من اعتياد النفوس على تبرير الخطأ. وعندما يصبح التحايل ذكاءً، والانتهازية مهارة سياسية، والكرامة مجرد شعار انتخابي، تدخل الدول مرحلة التآكل البطيء حتى وإن بدت مستقرة ظاهريًا. من هنا، تبدو الحاجة ملحّة اليوم لإعادة تعريف السياسة نفسها، لا باعتبارها "فن الممكن" فقط، بل باعتبارها أيضًا ممارسة أخلاقية. فالقانون الذي لا تحرسه القيم يتحول إلى أداة بيد الأقوياء، أما القانون المنبثق من الضمير فيصبح حماية حقيقية للإنسان والدولة معًا. 
 قوة الأوطان لا تُقاس فقط بصلابة دساتيرها، بل بقدرة مجتمعاتها على التمسك بالقيم عندما تغيب الرقابة. وحين يصبح الضمير أقوى من النص، تصبح الدولة أقوى من أزماتها، ويصبح الوطن أكثر من مجرد مؤسسات وحدود، يصبح فكرة أخلاقية تستحق الحياة، والسؤال الموّجه لنا، هل ساستنا على قدر هذه المسؤولية؟ سؤال بحاجة الى جواب من كل مواطن لبناني علّه في انتخابات ما يحسن الاختيار.