لحظة صدور قرار مجلس الوزراء رفع ضريبة القيمة المضافة 1% وزيادة 300 ألف ليرة على صفيحة البنزين لتغذية الزيادة لموظفي القطاع العام، انطلقت حملة ممنهجة تستهدف القوات اللبنانية تحديدًا. وقبل ذلك بأيام كانت وسائل الإعلام ومنصات التواصل تضج باتهامات تخزين أسلحة في معراب وتدريب في الضنّية وهناك من تابعها وغذّاها، كما أن هناك من صدّقها وارتاب من الأمر. وقبل الحملتين بأسابيع قامت حملة ممنهجة مماثلة على القوات من خلال وزيرها في الحكومة جو صدي بأنها لم تعمل شيئًا لزيادة التغذية الكهربائية، وثمّة من اتهمها بالعجز كما أن هناك من اتهمها بالفساد، وأيضًا هناك من غذّى الحملة ومن صدّقها.
لمن لم يعد يذكر أو لا يعلم أصلاً، منذ أواخر ثمانينات القرن الماضي انطلقت حملات مشابهة من الجهات ذاتها ووسط الرأي العام المستسلم ذاته، اتهمت القوات بطمر أطنان من النفايات السامّة في شننعير وأعالي كسرون، وقد حسم القضاء عدم صحّتها ولم يحسم مطلقوها أمر التوقف عن خداع الرأي العام واستخدام طيبة الناس مادة سامّة بذاتها تُدَسّ لهم فتخدّرهم ليتمَّ اغتصاب إراداتهم عند كل استحقاق. أيضًا ومن ذاك الزمن البائس ما أحجمت نوايا الشر عن فبركة تهم المقابر الجماعية في حالات ما أدّى إلى حفر الأوتوستراد، ليثبُت عدم صحّة تلك الإدعاءات.
تجاه هذا التزوير للوقائع والتضليل المستمر للرأي العام، بات لا يجوز السكوت تحت مبدأ: "عدم الهبوط إلى مستوى هكذا مهاترات" أو تجنيب الناس الأثر السيّئ لتبادل الإتهامات والتبريرات واختلاط الوقائع بالذرائع، وهو ما بات يمقته الشعب اللبناني بأسره. لكن ماذا على المجني عليه أن يفعل بوجه الجاني غير الإصرار على إظهار الحقائق، خصوصًا أنّ بعض الناس هم سبب تلك البلبلة في كل مرّة يتلقفون الإشائعة ويتصرفون على أساس أنها حقيقة، فيفوز الجاني ويقع المجني عليه ضحيّة ثلاثة شركاء: الفاعل والناقل والجاهل.
عادةً ما يُقال في معرض إظهار الحقائق: "ليس دفاعًا" عن هذه الجهة أو تلك، لكن ما يُلِح قولُه هو دفاعٌ موجِبٌ عن ثلاثة، بينهم القوات، بوجه هذا الحجم المتمادي من التجنّي وهذا الإستسلام القاتل من بعض الرأي العام، وإن كانت القوات قادرة إن شاءت الدفاع، وتعرف ماذا تريد وماذا تفعل. ومعها فليكن هذا الكلام دفاعًا عن الحقيقة من التجهيل وعن الرأي العام من التضليل.
يا سادة، معروف أنّ قرار الضريبة لم يطرحه وزراء القوات ولم يوافقوا عليه أصلاً. القرار اتُخذ في اجتماع مجلس وزراء ترأسه رئيس جمهورية وله فيه أعضاء، وبمشاركة رئيس حكومة وممثليه من الوزراء، وحضور وتصويت وزراء أحزاب أخرى تأييدًا للزيادة، ولم تأتِ على ذكرهم الحملة، المقامة تضليلاً على القوات، بسبب الزيادة.
حيال ذلك هل اللوم على من يُطلق حملات استغلال طيبة الناس فيستخدمها سلعة انتخابية على حساب مصيرهم؟ هل اللوم على من لا يردّ بالمِثْل لأنه يعتبر أن الدول لا تبنى بالتضليل وبالمهاترات؟ أم اللوم على من يسلّم عقله لتاجر ومستقبله لمقامر وفاجر، منكفئًا عن تقرير مصيره مستعينًا بما منحه الله من فكر وما أعطاه الدستور من حق؟
كيف لا نعرف أنّ الجهات المضلِّلة كانت في كل مسيرتها سببًا لوجع الناس الأقسى موتًا وتشريدًا ومعيشةً وسياسةً أدت بهم إلى جهنّم؟ ولا يغيب عن البال أن الإنهيار المالي حصل في عهد الرئيس ميشال عون فارتفع سعر صفيحة البنزين من حوالى 14 ألف ليرة إلى حوالى مليون و750 ألف ليرة، وانهارت العملة الوطنية خاسرة أكثر من 600 في المئة من قيمتها، علاوة على تسجيل هدر وفساد بلغا أكثر من 45 مليار دولار. وكل الملفّات المتكشّفة تباعًا تؤكد ذلك. فكيف نصدّق ادعاءات المنافق المجافية للحقائق؟
وكيف لا نلاحظ أن مطابخ التضليل هي نفسها، وأدواته هي وسائل إعلام رخيصة تستعطي المال، وإعلاميات أرخص يستجدين الشهرة من باب التشهير. و"محلّلون استراتيجيون" يحلّلون لأنفسهم هدر الدم وتكييف العالم بحسب تمنياتهم؟
يا سادة يا بعض الرأي العام، في يدك اليوم تقرير مصير البلد وليس مصيرك كجماعة أو حتى كأفراد. فالحملات السياسية التي تتوجّه إلى الناس لاستقطابهم، مشروعة وراقية وقائمة في العالم المتمدّن، لكنّها تقوم على برامج تتنافس لخدمة المواطن والبلد وليس على تضليل الناس وبث الأحقاد والتشهير كذبًا مقيتًا قائمًا على رهان أنه إن علق واحد في المئة من الكذبة في أذهان الناس، فهو مكسب.
حتى الآن أثبت الرأي العام اللبناني أنه، في معظمه، واعٍ ومستعد لتقبّل المراجعة الذاتية لخياراته، بدليل ابتعاده عن الجهات المتاجِرة به وعلى حساب مستقبله، وانعطافه بثبات دورةً إنتخابية بعد دورة باتجاه تصحيح تلك الخيارات وربطها بمن أعطى بغير منّة، وعمل بغير فساد، وقال بغير استغلال. وكما تظهّرت هذه التحوّلات لدى الرأي العام في الاستحقاقات الإنتخابية السابقة، فإنها ستتثبّت أكثر في الاستحقاق النيابي المقبل. وربما يرتدّ التضليل على القائمين به، فيخسرون معًا: المصداقية والرهانات والإنتخابات!
سيمون سمعان | رئيس التحرير
