رحم الله كاهن رعية القليعة الجنوبية الأب بيار الراعي الصامد إيمانًا ومكانًا، فهو المناضل الحق والشهيد المستحق الشهادة، ولو لم يكن كذلك لما مات. شهادة الأب الراعي ليست حدثًا عابرًا ولا يُفترَض التعامل معها أو اعتبارها كذلك. فهو كان بصموده رسولاً يعمل بتعاليم المسيح وصار باستشهاده رسالة إلى كل المسيحيين وغير المسيحيين، وعبرة للناس وللمسؤولين!
لو لم يختر الأب بيار الراعي الصمود في أرضه لما استشهد، ولو لم يبادر إلى الوقوف بجانب رعيته تضامنًا معها وطردًا لعناصر منظمة مصنّفة غير قانونية لتجنيبها الإستهداف، لما مات باستهداف من حوّلوا الناس عنوةً دروعًا بشرية لحماية الإرهاب. ولذلك، فباسم الإنسانية وباسم المقاومة الأصيلة وباسم الصامدين في القرى الحدودية المسالمة لا نكتفي بنعي الشهيد الأب الراعي بل نتوجه إلى كل المسؤولين والمعنيين بموقف حق لتجنّب الكارثة الأكبر قبل أن نستفيق ونحن في خضمّها.
إلى المنظّمة الخارجة عن كل قانون وكل قاعدة كفّوا عن المجاذفة بحياة البلد والناس ودفعهم إلى الموت، فقد خلقنا الله لنعيش لا لنموت، ولو أراد موتنا لما أوعز لإبراهيم بألّا يُقدّم ابنه اسحق ذبيحة قائلا له: "لا تمدّ يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئاً".
وإلى الدولة، إن لم يحمِ الربّ البيت فعبثًا يحاول الصامدون. أحزموا أمركم وكلنا وراءكم فقد مللنا الحرب وكرهنا خنوعكم ورياءكم بحجج ما عادت تُنبت في الوعر قمحًا ينتظره الحصّادون. كفى كذبًا على أنفسكم وعلى الناس، ويكفينا موتًا بسبب الخنوع ودمارًا بسبب التخاذل المقنّع بادعاء تلافي الحرب الأهلية.
وإلى أرباب الكهنوت يا من أوكل الله إليكم وزناته فدفنتموها في التراب وتدفنون معها رؤوسكم فتمنعون عيونكم من رؤية الحق الذي يحرركم. ولذلك فما زلتم تعيشون مقيّدين لجهة أو لمصلحة أو لشيء من غير أن تلتفتوا إلى حال الرعية من قرى الجنوب الصامدة المهددة إلى كل الرعايا المتروكة من دون أدنى التفاتة. فالأب بيار الراعي سقط وهو في عزّ مضاعفة وزناته فاعتبروا وبادروا لأن الله يراكم.
وإلى أهلنا في الجنوب ليس صمودكم في قراكم الأيقونية إلا بذارًا صالحًا تعتنون به اليوم، وسينمو ليعطيكم في الغد غير البعيد مواسم خير وفرح ستكفيكم وتكفي كل الوطن. فلا بد لليل أن ينجلي ولا بد للمتغطرس أن ينكسر.
رحم الله روحك يا أبونا بيار يا أمثولة الشهادة وعنوان الرسالة الصالحة وبوصلة الصمود. فهذه هي المقاومة الحقة وهذه هي الشهادة الحقيقية، شهادة الكلمة والموقف ومحبة الأرض وليس حرق الأرض. فأرض القديسين التي قدّسها السيّد المسيح بأول أعاجيبه تُسقى اليوم بدم القديسين، ومن أنعم عليه الله بهذا فهو الصخرة التي تُبنى عليها البيعة، ومهما حصل، فإن أبواب الجحيم لن تقوى عليها.
فيا أبناء القرى الصامدة يا أهلنا في عين العاصفة هناك، إبقوا بأرضكم، فبقاؤكم فيها بقاء لنا في كل لبنان. ودم الكاهن الشهيد سيزهر سلامًا طال انتظاره، لكنّ أسود الليل هو ما يسبق مباشرة بزوغ الفجر!
أخبار البلد
