موقف البلد

كلمة البلد - عنبر رقم 12 شعبي أمني جديد في المرفأ... حذارِ التفجير الأكبر!



يومًا بعد يوم يعلو الجدال والرفض لإقامة مركز إيواء في منطقة الكرنتينا عند مرفأ بيروت، ويزدادان حدّة كلما استكشف المتابعون خطورة الأمر، واكتشف المعنيون خلفيات ما يجري مع عدم تجريده من احتمالية استغلاله يومًا لأعمال مشبوهة، وإن تكاثرت التأكيدات اليوم حول مدنية العمل وإنسانيته. أو عبر الإعلان أنه تمّ صرف النظر عنه، أو أقله عدم مواصلة العمل به في الوقت الحاضر!
لناحية الجانب الإنساني في مسألة النزوح لا أحد يجادل أو يمانع، بل إن الجميع بدا مندفعًا في كل مرّة كان يحصل هذا النزوح. وكانت لافتة اندفاعة الإحتضان على الرغم من أنّ معظم اللبنانيين بات رافضًا لهذه الحروب المتكررة مع كوارثها التي لا تنتهي، وغير مقتنع بالتبريرات التي تُعطى لإطلاقها استهتارًا بالبلد وخدمة لأجندات خارجية باتت مُعلَنة. حتى أن رئيس الحكومة نواف سلام أشار صراحة أمس إلى أنّ هناك ضباطًا من الحرس الثوري في لبنان بجوازات سفر مزوّرة يديرون المعارك عبر عناصر حزبلله المحظور.
ومع أن نزوح الجنوبيين والذي قارب المليون شخص، موزّع على مناطق عديدة، إلا أنّ بينها ما يتّخذ حساسية معينة ويشكّل شرارةً لفتنة داخلية بدل أن يكون عامل احتضان إنساني. ومن هذه المناطق مجمّع المرفأ-الكرنتينا الباعث على الكثير من مظاهر الخشية وعوامل التنبّه قبل فوات الأوان.
فالمعلومات المتوافرة على هذا الصعيد تشير إلى أن خدعة أو تضليلاً مقصودًا تعرّض له رئيس الحكومة وعدد من نواب بيروت لناحية أعداد من سيتم إيواؤهم في هذا المركز. فالمعلومات المضلِّلَة كشفت أن العدد لا يزيد عن 70 عائلة، ليتبيّن لاحقًا أنه سيصل إلى 3 آلاف شخص وهذا رقم كبير جدًا في تلك البقعة من بيروت، وله تداعيات كثيرة غير تلك الأمنية، وسيدفع إلى التسبب باضطرابات ليست في الحسبان.
وتفيد المعلومات التي حصل عليها موقع "أخبار البلد" بأن هناك سلسلة من المراكز المشابهة سيتم توزيعها في بيروت بما سيشكل حزامًا ناسفًا حولها شاملاً المناطق السنية والمسيحية معًا. وهنا لا بد من طرح العديد من الأسئلة: من يضمن أن الإقامات ستكون موقتة، في وقت لا بوادر على تمويلات لإعادة إعمار قرى النزوح في الجنوب، وخصوصًا أن الحرب لم تنتهِ بعد؟ من يضمن عدم دخول عناصر مسلّحة إلى هذه التجمعات والإنطلاق منها للقيام بأعمال فتنة، أصلاً لم يُضمِر مسؤولو حزبلله نية افتعالها؟ وأيضًا من يضمن ألّا يتحول المدنيون أنفسهم في هذه المراكز، ومن غير تسليح، إلى عامل اضطراب، وقد هدَّد أمس عضو المجلس السياسي لحزبلله وفيق صفا معلنًا: "‏لن نسقط الحكومة في الشارع حاليًّا لكن بعد الحرب هناك أجندة مختلفة مع الحكومة وقد نلجأ للشارع؟" فماذا لو تدفق هؤلاء من مراكز إقاماتهم في حزام العاصمة إلى شوارعها أو إلى سراياها، ومشهد تطويق حكومة الرئيس السنيورة بهدف إسقاطها ما زال ماثلاً في الأذهان؟
فلماذا لا تُقام مراكز الإيواء بعيدًا عن العاصمة (في بعلبك الهرمل مثلاً أو في عكار) إبعادًا لهذه القنبلة الموقوتة عن بيروت، ومنعًا لأي احتكاك في أجواء مشحونة قد يشعل البلد؟ ليست كل هذه التساؤلات والمخاوف افتراضًا نظريًّا بل هي واقعٌ يدفع إليه نفخ اللبن بعدما لم يترك حليب التجارب السابقة لسانًا ناجيًا من الكَيّ.
وعليه لا بد من التوجّه إلى معنيين ثلاثة: 
-    الدولة، للاستفاقة من سباتها ولو لمرّة قبل أن تفيق مصدومة على صوت المدفع وهول الحرب التي لن تترك حتى ما يمكن إعادة البناء عليه. كفى مسؤولينا هروبًا من الواقع ودفنًا لرؤوسهم في الرمل والتخلّي عن أبسط مسؤولياتهم. فليتخلّوا عن السلطة إذا لم يكونوا قادرين على إدارتها وحماية الناس. وليوقفوا الخوف لأنه أبغض الشرور وقاتل القرارات.
-    المسؤولين السياسيين والروحيين والأحزاب والجمعيات وحتى المواطنين، لتشكيل سلطة ضغط تجنّب البلد المزيد من الخضات وهو في غنى عنها بل لا ينقصه سواها حتى يكتمل السقوط الذي ليس بعده قيامة. إن لم نبادر جميعًا سنغرق جميعًا، وليس تحت البحر من سترات نجاة.
-    منظّمة حزبلله المحظورة، لترك البلد بحاله والنازحين بعيدين عن الإستخدام الحربي، حينًا أكياس رمل وحينًا قنابل موقوتة، وفي الحالين كتلة بشرية باتت بسببكم فاقدة لأبسط مقومات الحياة. فيا سادة، لطالما قلتم لن نسلّم السلاح لأنه لحماية أهلنا والدفاع عن الجنوب. فإذا كنتم صادقين، لماذا عندما يحين أوانه تلجأون للاحتماء في مناطق منزوعة السلاح، ولا تواجهون دفاعًا عن الأرض إنما دفاعًا عن نظام الخامنئي؟
منذ ستة عقود على الأقل لم تغيّر منظومة الحكم ذهنيّة التعاطي مع القضايا الحسّاسة، وكنا في كل مرّة ندفع الثمن أكبر. لو تعاطت الدولة بحزم في العام 1969 لما ولد اتفاق القاهرة، ولو وعت المؤامرة لما اغتيل معروف سعد في العام 1973، ولو حسمت أمرها وقام كل من السلطتين السياسية والعسكرية بواجبه لأطفئت شرارة حرب 13 نيسان 1975 قبل شروق شمس 14 نيسان، وكان ما حصل حادثًا عابرًا في التاريخ.
وأخيرًا، لو تمّ حظر حزبلله في العام 2006 قبل حرب الـ"لو كنت أعلم" لما حصلت الحرب، (باعتبار أن الإحتلال السوري كان يمنع حلّه بعد العام 2000 وانتفاء عذر المقاومة على رغم اختلاق شمّاعة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا). ولو نظّفت الدولة نفسها وأجهزتها لما حصل تفجير المرفأ وكوارثه الإنسانية والمادية في العام 2020. ولو استفاقت بعد هول حرب إسناد غزّة وتجرّأ البعض وعاد البعض الآخر إلى ضميره ووطنيته، لما حصل إسناد طهران، ولا عدنا إلى المزيد من تقويض أساسات الدولة، ولا إلى نزوح جديد نعاني اليوم من تداعياته، وتقف الدولة تجاهه فاغرة الفم مكتوفة الأيدي، وتستمر المنظمة المحظورة في غيّها مستسهلة فعلتها ومستخدمة كل شيء حتى شعبها لمحاولة تحقيق مشروعها المستحيل!

سيمون سمعان | أخبار البلد