صحافة

اللبنانيون تعبوا من الحروب… الهدنة لا التطبيع هي الحل



منذ أن بدأت الحرب الأخيرة على لبنان، والتي اندلعت إثر إطلاق حزب الله الصواريخ الست على إسرائيل بعد أيام على اغتيال “المرشد الأعلى” الإيراني علي خامنئي، بدا واضحاً حجم التحول في المزاج اللبناني تجاه الحزب وخياراته. فالتعاطف الذي ظهر بشكل مختلف عام ٢٠٠٦، وبشكل جزئي محدود خلال “حرب إسناد غزة” عام 2023، تراجع هذه المرة إلى حد بعيد، في مؤشر يعكس الفارق بين معارك ارتبطت، في نظر كثيرين، بمسألة التصدي للعدوان او بالقضية الفلسطينية، وبين أخرى كانت أقرب إلى انخراط مباشر في صراع إقليمي لا علاقة له بالأولويات اللبنانية.

 

هذا التحول لا يعني بالضرورة تبدلاً جذرياً في الاصطفافات السياسية بقدر ما يعكس إرهاقاً عاماً من الحروب المفتوحة ومن الأكلاف التي دفعتها البلاد طوال السنوات الماضية. فمعظم اللبنانيين لم يعودوا يبحثون عن شعارات المواجهة، بل عن حد أدنى من الاستقرار يسمح بإعادة ترميم الدولة والاقتصاد والحياة اليومية.

 

 

ومن هنا تحديداً، يبرز الخلط القائم بين مفهومين مختلفين: تثبيت الهدنة ومنع الانزلاق إلى الحرب، من جهة، والانتقال إلى خيار السلام والتطبيع مع إسرائيل، من جهة أخرى. 

 

 

صحيح أن الحديث عن التطبيع لم يعد محصوراً بالنقاشات الهامشية، بل دخل تدريجياً إلى المجال العام، مدفوعاً بمن يسوّق له، ومشفوعاً بمناخ داخلي منهك، وتزخّمه محاولات سياسية وإعلامية للترويج لهذا الخيار باعتباره مخرجاً واقعياً للأزمة اللبنانية. لكن التعب من الحروب، مهما بلغ، لا يكفي وحده لبناء خيارات مصيرية. فالسؤال لا يتعلق فقط بحزب الله وأخطائه، على كثرتها داخلياً وخارجياً، بل أيضاً بطبيعة المشروع الإسرائيلي نفسه: هل تريد إسرائيل فعلاً استقراراً دائماً في لبنان والمنطقة، أم أن مفهومها للأمن يبقى قائماً على اختلال موازين القوة واستمرار الضغوط السياسية والعسكرية؟

 

وفي المقابل، من البديهي السؤال: هل يصبح حزب الله مستعداً، إذا ما توافرت ضمانات فعلية لأمن الجنوب، للاندماج الكامل في الدولة اللبنانية، تحت سقف مؤسساتها وقرارها السيادي، بعيداً عن ازدواجية السلاح وربط لبنان بصراعات إقليمية دفعت البلاد أثماناً باهظة بسببها؟

 

لا يمكن إنكار أن الحزب يتحمل مسؤولية كبيرة عن جزء أساسي من المأزق اللبناني، سواء نتيجة تفرده بقرار الحرب والسلم، أو بسبب أخطائه، أو خياراته الإقليمية التي عمّقت عزلة لبنان واستنزفت واقعه الداخلي. لكن الخيارات الوطنية الكبرى لا تُبنى أيضاً كرد فعل على أخطاء طرف سياسي، بل على قراءة بعيدة المدى لمصلحة لبنان واستقراره وتوازناته.

 

لهذا، يبدو تثبيت الهدنة، عبر المفاوضات الجارية، على قاعدة احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم وحصر السلاح بيدها، الخيار الأكثر واقعية في المرحلة الحالية: مسار يحفظ أمن الجنوب، ويمنع الانزلاق إلى مواجهة جديدة، من دون دفع لبنان نحو انقسامات إضافية تحت عنوان التطبيع أو السلام غير المحسوم بشروطه وتداعياته.

 

ظافر ناصر - الانباء الكويتية