خاص

خاص: فايز مشموشي - المفاوضات الأميركية–الإيرانية: بين شراء الوقت وتفكيك الأزمات الإقليمية… أين يقف لبنان؟



بقلم العميد المتقاعد فايز مشموشي

تشهد الساحة الدولية مساراً تفاوضياً معقّداً بين اميركا وايران  حيث وُضعت الشروط المتبادلة والخطوط الحمراء المرتبطة ليس فقط بمصالح الطرفين، بل أيضاً بتوازنات أوسع تشمل الصين، روسيا ، امن الخليج واسرائيل، هذا النوع من الصراعات ذات الأبعاد الإقليمية والاقتصادية لا يُحسم بجولات سريعة، بل يخضع لمسارات طويلة تتخللها تفاهمات مرحلية، ما يجعل المفاوضات أقرب إلى إدارة صراع مفتوح منها إلى تسوية نهائية. من هنا، لم يكن فشل جولة التفاوض مفاجئاً، إذ إن حسابات واشنطن وطهران تتجاوز أي جلسة محدودة، وترتبط بإعادة رسم توازنات إقليمية معقّدة.

داخلياً، يواجه ترامب ضغوطاً سياسية واقتصادية وانتخابية، إضافة إلى التحدي الصيني المتصاعد عبر بوابة العلاقة مع إيران، فيما لم تمنحه المواجهة العسكرية قدرة الحسم بل زادت من حدّة الخيارات مما يضعه امام قرارات إضافية  متشددة تجاه ايران لا يمكن التنبؤ بها. في المقابل، ورغم الضغوط الاقتصادية والعسكرية، لا تزال إيران قادرة على فرض شروط تفاوضية مرتفعة، مستندة إلى نفوذها الإقليمي وأوراقها الحساسة، من اهمها أمن مضيق هرمز الذي استجد دوره خلال الحرب الأخيرة لصالحها، ودور الأذرع العسكرية وقدرتها الصاروخيّة، ما يعزز موقعها كلاعب ثابت لا يمكن تجاوزه.

في هذا السياق، ينعكس تعثر التفاوض مباشرة على لبنان، حيث يبرز خطر الانزلاق الأمني والتصعيد الداخلي، ليس فقط نتيجة الضغط الخارجي، بل أيضاً بفعل لعبة الشارع التي يديرها حزب الله وأعوانه من فاقدي النفوذ  كأداة ضغط داخلية تهدف إلى تعطيل أي مسار تفاوضي لبناني مع إسرائيل، والحفاظ على الارتباط العضوي بإيران. هذا الدور لا يقتصر على البعد العسكري، بل يمتد إلى الحضور الشعبي والتنظيمي الذي يمكّنه خربطة التوازنات الداخلية وفرض إيقاع سياسي وأمني خاص. ولا يمكن استبعاد  ما جرى من اتصال هاتفي بين الرئيس السوري  والرئيس سلام  و تغريدة توم  باراك الأخيرة ، ما فرمل الاعتراضات المسيسة واعاد حسابات الداخل.

ضمن هذا المشهد، تبرز تساؤلات حول قرار رئيس الحكومة إلغاء زيارته إلى الولايات المتحدة: هل جاء ذلك نتيجة عدم نضوج المسار السياسي المرتبط بالمفاوضات الأميركية الإيرانية رغم تحديد موعد مؤكد له مع وزير الخارجية الأمريكي ، أم نتيجة تخوّف من الداخل وهي على الأرجح ، في ظل مواقف علنية من حزب الله تصل إلى حد التلويح بإسقاط الحكومة؟ في الحالتين، يعكس القرار هشاشة الوضع الحكومي، حيث تبدو القرارات التنفيذية  المتخذة محكومة بالتردد والمراوغة ان كان على الصعيد الأمني او السياسي .

لبنان يقف اليوم أمام معادلة معقدة: إما الانخراط في مسار تفاوضي مباشر بقرار من الرئاسة الاولى وموافقة ضمنية أو معلنة من الرئاسة الثانية و الثالثة وإما البقاء ضمن محور ارتباط سياسي وعسكري وشعبي بإيران، في ظل عجز الدولة عن فصل المسارات أو فرض قرار سيادي مستقل.

في المقابل، تحاول إسرائيل الدفع نحو فصل المسار اللبناني عن الاشتباك الأشمل مع إيران، مركّزة على مصالحها الأمنية وحدودها الشمالية ، وعليه، فإن السؤال لا يقتصر على قدرة لبنان على الفصل، بل يمتد إلى ما إذا كانت إسرائيل نفسها قادرة على فرض هذا الفصل بشكل كامل في ظل ترابط الجبهات، والبقاء على حزامها الأمني المستجد حتى الليطاني ضمن منطقة عسكرية خالية من السكان.

في المحصلة، لا يبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد حلولاً جذرية، بل مزيداً من إدارة الأزمات عبر تفاهمات هشة، فيما يبقى لبنان ساحة عسكرية مفتوحة لتقاطع الصراعات، يتأرجح بين ضغوط الخارج وانقسام الداخل، ويظل فيه دور حزب الله عاملاً اساسيا في ربط المسارين، العسكري والشعبي، ضمن معادلة تتجاوز حدود الدولة وتقيّد قدرتها على اتخاذ قرار مستقل.