إقتصاد

مصرف لبنان يستبعد الدفاع عن الليرة ويرفض أي عودة لتمويل الدولة



 آليًا، ارتفاعًا في الكتلة النقدية بالليرة. وهذا هو بالضبط السيناريو الذي يخشاه المصرف المركزي: أن تتدفق جزء من هذه السيولة بسرعة إلى سوق الصرف لشراء الدولارات، مما يفاقم الضغط على سعر الصرف. وفي ظل سياق تتقلص فيه عروض العملات الأجنبية بالفعل، قد تكفي زيادة الطلب لإضعاف التوازن الحالي، القائم على سعر صرف مُستقَر حول 89,500 ليرة للدولار الواحد. ناهيك عن أن بعض المصارف تشتري بالفعل دولارات في السوق بسعر 89,850 ليرة، وهو مستوى قد يعكس بداية توترات مضارباتية.

ويبدو إذن أن مصرف لبنان يعتبر أنه لن يتمكن، في آن واحد، من الحفاظ على هذا الاستقرار، وتمويل الدولة، والحفاظ على احتياطاته. وقد تم اتخاذ الخيار: سيتم حماية الاحتياطات، والرقابة على الكتلة النقدية، وعلى الدولة أن تدبّر أمرها بطريقة أخرى. وفي هذا الإطار، قد تضطر وزارة المالية، وفقًا لمصادر قريبة من الملف، إلى السحب من الفوائض المالية بالليرة التي كانت قد أودعتها لدى مصرف لبنان في عامي 2024 و2025.

ووفقًا للبيانات المتاحة، تتجاوز حسابات الدولة والمؤسسات العامة لدى المصرف المركزي 9 مليارات دولار، مُقوَّمة في غالبيتها بالليرة اللبنانية، تعود معظمها لوزارة المالية. ونظريًا، لا تحتاج الدولة إذن إلى أن يموّلها مصرف لبنان بالعملة المحلية: فهي تمتلك بالفعل احتياطات مهمة بالليرات. لكن هذه المبالغ تبقى، في غالبيتها العظمى، مُعقَّمة، أي مُحيَّدة، لتجنب تضخيم الكتلة النقدية المتداولة.

وتبلغ هذه الأخيرة حاليًا أقل من 70,000 مليار ليرة، أي ما يعادل أقل من 800 مليون دولار حسب سعر الصرف الساري. ويراقب مصرف لبنان بدقة تفادي أي توسع في هذه الكتلة النقدية، معتبرًا أن أي تراخٍ في هذا المجال سيفتح فورًا الباب أمام توترات جديدة في سوق الصرف. وهذا هو أيضًا ما يفسر، وفقًا لمصادر مصرفية، الارتفاع الحاد في سعر الفائدة بين المصارف، الذي بلغ 120% الأسبوع الماضي نتيجة ندرة حادة في الليرات داخل السوق.

وبعبارة أخرى، اختار المصرف المركزي تفضيل شكل من أشكال الانضباط النقدي الصارم، حتى لو كان ذلك على حساب الانسحاب الواضح من دوره التقليدي في دعم الدولة، وربما كمُثبِّت لسعر الصرف. ويبقى السؤال: كم من الوقت يمكن الحفاظ على هذا الخط إذا ما طالت الحرب، وانفجرت الاحتياجات المالية، وتصاعد الطلب على الدولارات؟ ففي بلد منهك بالفعل بست سنوات من الأزمة، قد تصطدم الصرامة النقدية بسرعة مع الاستعجالات الاجتماعية والسياسية والإنسانية.