صحافة

TABOO... وانـكـسـر



 

 

 

من واشنطن، يشرع لبنان في تدوين فصلٍ تاريخيّ جديد. هي لحظة فارقة وُلدت من توق اللبنانيين إلى الاستقرار والحياة بشكل طبيعي من ناحية، ومن رحم التحولات البنيوية التي فجّرها زلزال «السابع من أكتوبر» الذي أطاح بـ «تابوهاتٍ» وقيود جيوسياسية كبّلت الساحتين الإقليمية واللبنانية، من ناحية أخرى.

 

بالأمس، انحاز الوطن لمصلحته الوطنية العليا، متموضعًا حيث تملي عليه أجندته السيادية وصالحه العام حصرًا. أعلن من خلال الجلوس المباشر مع الجانب الإسرائيلي انتهاء حقبة سجن «لبنان الرسمي» داخل «بيت الطاعة» الإيراني. لقد دفع اللبنانيون أثمانًا باهظة من أمنهم ومستقبلهم نتيجة جرّهم إلى محارق «الممانعة» ودوامات حروبها، لكن الدولة اللبنانية ردّت باتخاذ مسارات الاستقرار والسلام المستدام، رافضة أن يبقى لبنان صندوق رسائل دموية أو ساحةً مستباحة.

 

 

 

جسّد اللقاء التاريخي الذي استضافته الخارجية الأميركية، بين السفيرة اللبنانية ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يخيئيل لايتر، بحضور السفير الأميركي ميشال عيسى والمستشار مايكل نيدهام، تتويجًا لجهودٍ دبلوماسية مكثفة قادها رئيس الجمهورية جوزاف عون وحكومة الرئيس نواف سلام وبعلم من رئيس مجلس النواب نبيه برّي. ويأتي هذا الاجتماع، ليؤكد صوابية الدولة اللبنانية في اتخاذ مسار التفاوض المباشر كسبيلٍ وحيد لضمان سلامة لبنان، بدل الحروب العبثية التي فتحها «حزب الله» ولم يحقق منها أي مكتسبات ميدانية أو توازن ردع مع إسرائيل.

 

 

وبعد جلسة مغلقة تجاوزت الساعتين، تمخض الاجتماع عن بيانٍ مشترك لم تقتصر أهميته على مضامينه السياسية فحسب، بل على رمزيته كإعلان رسمي صادر عن الجانبين اللبناني والإسرائيلي، خصوصًا أنه «أول تواصل رفيع المستوى بين الحكومتين منذ عام 1993». كما دشن البيان خارطة طريق لمسار تفاوضي مباشر. العرب وشعوب الشرق الأوسط

 

من جانبها، هنّأت الولايات المتحدة البلدين على «هذا الإنجاز التاريخي»، معربةً عن دعمها لمواصلة المحادثات، وكذلك لخطط الحكومة اللبنانية لاستعادة احتكار السلاح وإنهاء النفوذ الإيراني المفرط. كما أعربت عن أملها في أن «تتجاوز هذه المحادثات نطاق اتفاق عام 2024، وأن تفضي إلى اتفاق سلام شامل». وأكدت دعمها «لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها في مواجهة الهجمات المستمرة من حزب الله». وشددت على أن «أي اتفاق لوقف الأعمال العدائية يجب أن يتم بين الحكومتين، برعاية الولايات المتحدة، وليس عبر أي مسار منفصل». كما لفتت إلى أن «هذه المفاوضات قد تفتح المجال أمام مساعدات كبيرة لإعادة الإعمار وتعافٍ اقتصادي للبنان، وتوسيع فرص الاستثمار لكلا البلدين. واتفق جميع الأطراف على إطلاق مفاوضات مباشرة في زمان ومكان يتم الاتفاق عليهما لاحقًا». قضايا سياسية

 

 

 

وبعد انتهاء الاجتماع، قال السفير الإسرائيلي يخيئيل لايتر في تصريح، إن «النقاش شمل الأمور البعيدة المدى»، موضحًا أن «حماية المدنيين ليست موضوع تفاوض، وأن هذا الموقف تم تفهمه بالكامل من قبل حكومة الرئيس جوزاف عون» (وفق تعبيره). وأضاف لايتر أن «الحكومة اللبنانية أكدت رفضها لأي سيطرة لحزب الله»، واصفًا هذا الموقف بأنه «بداية معركة قوية ضد الحزب»، الذي وصفه بأنه «في أصعب حالاته». وأكد أن «إسرائيل ستواصل مع لبنان جهود التصدي لما وصفه بوكيل إيران في المنطقة». سياسة لبنان

 

من جهتها، أكّدت سفيرة لبنان ندى معوض أن «الاجتماع التمهيدي كان بنّاءً»، متوجّهة بالشكر إلى الجانب الأميركي على استضافته هذا الاجتماع وتيسيره للمحادثات. وقالت معوض عقب الاجتماع: «أكدت على الحاجة المُلحّة للتنفيذ الكامل لاتفاق وقف الأعمال العدائية لشهر تشرين الثاني 2024 كما شددت على سلامة أراضينا وسيادة الدولة الكاملة على كامل الأراضي اللبنانية». ودعت معوّض إلى «وقف إطلاق النار وعودة النازحين إلى بيوتهم» كما طالبت بـ «اتخاذ خطوات عملية للتخفيف من الأزمة الإنسانية الحادة التي لا يزال البلد يعاني منها نتيجة النزاع المستمر.

 

وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد دعا في بداية اللقاء، إلى اغتنام «فرصة تاريخية» لتحقيق سلام دائم في لبنان، مع انطلاق أول محادثات مباشرة بين إسرائيل ولبنان منذ عقود. العرب وشعوب الشرق الأوسط

 

وقبيل انطلاق المحادثات اللبنانية – الاسرائيلية بوقت قصير، أعرب الرئيس جوزاف عون عن أمله في أن تشكل المحادثات مع إسرائيل «بداية لإنهاء معاناة اللبنانيين»، مؤكدًا أن «الحل الوحيد يكمن في أن يعيد الجيش اللبناني انتشاره حتى الحدود المعترف بها دوليًا، ويكون هو بالتالي المسؤول الوحيد عن أمن المنطقة وسلامة سكانها من دون شراكة من أي جهة كانت».

 

أما على جبهة «حزب الله»، فعاش الأخير يومًا عصيبًا عسكريًا ودبلوماسيًا. على المسار العسكري، تهاوت دفاعاته في مدينة بنت جبيل، وكانت الضربة الموجِعة له صورة أحد عناصر الجيش الإسرائيلي أمام مجسم «شهداء» الحزب في المدينة. الصورة الثانية التي جعلت مسؤوليه يفقدون صوابهم، اجتماع واشنطن ومشهد السفيرة اللبنانية إلى جانب السفير الإسرائيلي. هاتان الصورتان، دفعت «الحزب» عبر قناته التلفزيونية إلى تسمية يوم أمس بأنه «ثلثاء العار» للبنان في واشنطن. وبلغ إعلامه ذروة التصعيد بقوله إنه «لن يكونَ لزمرةٍ من أصحابِ المغامراتِ السياسيَّة أو الأحقادِ التاريخيَّة، أن تسوق البلدَ إلى خيارِ استسلامٍ». سياسة لبنان

 

مصادر سياسية رفضت التعليق على كلام «حزب الله»، ووصفت مضمونه بأنه «كلام سوقي» لكنه لن يؤثر في مسار المفاوضات التي لن يوقفها كلام انفعالي يحاول أن يرضي بيئته بعد سلسلة الهزائم التي مني بها