ذهاب الحكومة اللبنانية للمفاوضات المباشرة مع العدو الإسرائيلي لوقف حربه على لبنان، لم تلق الإجماع الوطني اللبناني. فكان يراد تشكيل وفد مفاوض من كل المكونات الطائفية السياسية، فاصطدم برفض شيعي عبّر عنه الثنائي حركة "أمل" وحزب الله، واشترط رئيس الحزب "التقدمي الاشتراكي" السابق وليد جنبلاط والحالي النائب تيمور جنبلاط، أن يكون لبنان ممثلا بالتفاوض من كل الأطراف السياسية الفاعلة والمؤثرة، ولا يمانعان بالمشاركة فيه.
وعند الرفض والتحفظ من طرفين رئيسيين، والدعم للمبادرة من قوة سياسية "كالقوات اللبنانية" و"الكتائب"، ووضع شروط من قبل "التيار الوطني الحر" ليكون التفاوض مثمرا، تم التوجه للصيغة التي تم اعتمادها مع لجنة "الميكانيزم" بطلب أميركي بحضور موفد مدني فيها، فسمي السفير سيمون كرم الذي لم يتمكن من تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار، والذي كانت تخرقه "إسرائيل" باعتداءاتها اليومية والمتواصلة على لبنان عموما، وحزب الله خصوصا الذي قرر العودة إلى الميدان العسكري اسنادا لإيران، ودفاعا عن النفس كما ورد في بياناته.
وكان موقف وليد جنبلاط من المفاوضات لافتا ، فلم يرفضها لوقف الحرب، لكنه أعلن عن ضرورة أن يضع لبنان مذكرة أو ورقة وطنية تعبّر عن موقف لبناني موحد، يحملها وفد رسمي للتفاوض على أساسها، وتستند إلى اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، وفق ما تكشف مصادر في الحزب "التقدمي الاشتراكي"، الذي له ملاحظات وموقف مما حصل منذ اسناد "حزب الله" لغزة والحرب الأخيرة، الا أنه لا يفرط بحقوق لبنان في أرضه ومياهه وثرواته، كما في عودة أهالي الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية إلى مدنهم وقراهم، وقيام الحكومة بدورها في الأعمار للبنى التحتية والمؤسسات المهدمة والمدمرة.
فموقف جنبلاط الأب ومثله نجله تيمور صوّب البوصلة حول كيف تدار المفاوضات، وتحت أية عناوين وليس ضدها بالمطلق. وسبق للبنان أن خاض مفاوضات مع العدو الإسرائيلي برعاية أميركية أو تحت سقف الأمم المتحدة تقول المصادر، التي تشير بأن "لاشتراكي" له تاريخ من الصراع العربي - "الإسرائيلي"، وموقف مبدئي وحازم ضد التفريط بالقضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني. سياسة لبنان
وجنبلاط المعروف عنه قراءته للتحولات والتطورات وهي سريعة ومتلاحقة خلال نصف قرن وأكثر، فإنه يتموضع بواقعية، ويرى مصلحة طائفته وهو أحد زعمائها البارزين والفاعلين وتقدم لقيادتها في مرحلة مصيرية، وفق ما تؤكد مصادر "الاشتراكي"، التي تشير إلى أن جنبلاط عندما يخطئ في التقدير والمعلومات، لديه جرأة الاعتراف بذلك. ويهمه في هذه المرحلة التي يخوض فيها الجميع معركة الوجود، أن تبقى الطائفة الدرزية موحدة الموقف، وهو نجح مع رئيس الحزب "الديمقراطي اللبناني" طلال ارسلان الذي يتفق مع جنبلاط على رفض إقامة دويلة درزية، تكون تابعة أو تحت حماية "إسرائيل".
إرسلان كما جنبلاط يخشيان ان يذهب البعض من داخل الطائفة الدرزية، ضد المقاومة كحق للشعوب في تقرير مصيرها ، والدفاع عن أرضها لتحريرها من الاحتلال، وهذا ما يشهده التاريخ للموحدين المسلمين الدروز، منذ دفاعهم عن الثغور ضد الحملة الصليبية "الفرنجة" ، وكان في مقدمهم آل ارسلان تقول مصادرهم، وهذه ورقة قوة للدروز بوجه كل من يحاول أن يشوه تاريخهم، ومنها ينطلق الأمير طلال ليعزز موقفه الرافض لأي احتلال، فكيف إذا كان استيطانيا توسعيا كالمشروع الصهيوني بإقامة "إسرائيل الكبرى"، مذكرا بسلطان باشا الأطرش في مقاومته للانتداب الفرنسي وقيادته الثورة السورية الكبرى مع حلفاء وطنيين له. تحليل سياسي
من هنا، فإن موقفي جنبلاط وارسلان موحد في موضوع مشاركة لبنان بمفاوضات مباشرة مع العدو الإسرائيلي، لكن بشروط لبنانية أبرزها وقف الحرب وعودة الأهالي وأعاده الأعمار، وهذا ما ورد في المبادرة الرئاسية التي لا يعارضها الزعيمان الدرزيان إذا أوقفت الحرب، وتكليف السفيرة ندى حماده معوض بالتفاوض عن لبنان ولم يتم تقديم تنازلات، وهما يتفقان مع الرئيس نبيه بري الذي يؤكد على وقف الحرب، حيث منعت لجنة "الميكانيزم" من تنفيذه، لأن أميركا بإدارة دونالد ترامب تريد نزع السلاح، ولا تمانع من استمرار الحرب الإسرائيلية على لبنان لتحقيق ذلك. تاريخ
والطائفة الدرزية الموحدة في لبنان بقطبيها جنبلاط وارسلان المتفقان على المفاوضات وشكلها وبنودها، فإنهما يواجهان خصما سياسيا يمثله المرجع الروحي في فلسطين المحتلة الشيخ موفق طريف المنخرط في المشروع الاسرائيلي.
كمال ذبيان -الديار
