بقلم المحامي يوسف بهاء الدويهي
في كل مرة يُطرح فيها مفهوم “السلام من منطلق القوة”، كما يرد في خطاب بنيامين نتنياهو، يُعاد إنتاج الوهم ذاته: الاعتقاد بأن التفوق العسكري قادر على إنهاء الصراعات بدل إدارتها. غير أن التجارب التاريخية، من حرب فيتنام إلى حرب العراق، تؤكد أن القوة قد تفرض وقائع ميدانية، لكنها تعجز عن خلق شرعية سياسية مستدامة.
في الحالة الراهنة، تستند إسرائيل إلى دعم واسع من الولايات المتحدة، يترجم تفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا وغطاءً دبلوماسيًا في المحافل الدولية. هذا التفوق يُستخدم لفرض شروط مسبقة في أي مسار تفاوضي، من بينها نزع سلاح حزب الله، كمدخل لأي “سلام” محتمل. غير أن هذا الطرح لا يعكس مقاربة تسوية بقدر ما يعكس محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى داخل لبنان تحت ضغط خارجي، ما يحوّل مسألة سيادية داخلية إلى بند تفاوضي مفروض من الخارج.
لبنان، بتركيبته الهشة وتاريخه المثقل بالصراعات، ليس ساحة يمكن إعادة هندستها بقرارات قسرية. إن طرح مسألة السلاح بمعزل عن رؤية وطنية شاملة لمفهوم الدفاع والسيادة، يفتح الباب أمام اهتزازات داخلية بدل أن يقود إلى استقرار. فالدولة التي تعاني أصلًا من ضعف مؤسساتي وانقسام سياسي، تجد نفسها أمام معادلة معقدة بين القبول بشروط خارجية قد تمس بسيادتها، أو رفضها مع ما يستتبع ذلك من استمرار المواجهة واستنزاف الداخل.
لقد أثبتت تجربة اتفاقية أوسلو أن الاتفاقات التي تُبنى على اختلال في ميزان القوى وتؤجل القضايا الجوهرية لا تصمد طويلًا. فبدل أن تؤسس لسلام دائم، تحولت إلى مرحلة انتقالية نحو انفجار أكبر تُوّج بـالانتفاضة الفلسطينية الثانية، لأن غياب العدالة قوّض أي استقرار كان يمكن أن ينشأ عنها.
في جوهر المسألة، لا يكمن الخلل في غياب الاتفاقات، بل في طبيعتها. فعندما يُختزل السلام في غياب القتال ويُفصل عن العدالة والتوازن، يتحول إلى هدنة طويلة لا إلى تسوية حقيقية. وعندما تُستخدم القوة لفرض النتائج بدل فتح مسارات تفاوض متكافئة، فإنها تنتج استقرارًا ظاهريًا يخفي في داخله أسباب انهياره.
إن ما تشهده المنطقة اليوم يعيد التأكيد على حقيقة بسيطة: القوة قادرة على فرض واقع، لكنها عاجزة عن فرض قبول بهذا الواقع. وفي لبنان، كما في سائر بؤر التوتر، كل تسوية لا تنطلق من معالجة جذور الصراع، ولا تستند إلى حد أدنى من التوازن والاعتراف المتبادل، ستبقى مجرد تأجيل لانفجار قادم، لا أكثر.
