بقلم المحامي فؤاد الأسمر
في مطلع القرن العشرين، شهدت المنطقة العثمانية واحدة من أكثر المآسي الإنسانية قسوة، تمثّلت بالإبادة الأرمنية، ومجازر سيفو، التي استهدفت السريان والآشوريين، ومجازر "كفنو" وهي ابادة مسيحيي جبل لبنان من خلال الحصار والتجويع والسخرة.
لم تكن هذه المجازر مجرد أحداث عابرة، بل شكّلت نقطة تحوّل عميقة في التاريخ الديموغرافي والثقافي للشرق، حيث تعرّضت جماعات مسيحية عريقة لعمليات قتل وتهجير ممنهجة أدّت إلى اقتلاعها من أراضيها التاريخية، وتركت جروحاً عميقة، لا تزال آثارها حاضرة في الذاكرة الجماعية والوجدان.
المؤسف أن ما جرى قبل أكثر من قرن ما يزال مستمراً بأشكال مختلفة. ففي دول مثل العراق وسوريا، أدّت الحروب والصراعات الطائفية والتطرف إلى تراجع أعداد المسيحيين بشكل كبير. بحيث تناقصت أعدادهم في العراق من أكثر من مليون قبل عام 2003 إلى بضع مئات الآلاف فقط. وفي سوريا، دفعت سنوات الحرب الطويلة الكثيرين إلى الهجرة واللجوء.
أما في لبنان، الذي لطالما اعتُبر ملاذاً للتنوع الديني والثقافي، فإن الحروب والفتن، اضافة إلى الأزمات الاقتصادية والهجرة المستمرة، تسهم في النزيف السكاني وتقلص الوجود المسيحي، الأمر الذي لا يهدد فقط جماعة دينية بعينها، بل يمسّ أيضاً التعددية التي ميّزت لبنان بوجوده وثقافته وتاريخه.
مع ذلك، من المهم التمييز بين الإبادة الجماعية كسياسة تهدف إلى القضاء على شعب، وبين التراجع الديموغرافي الناتج عن عوامل سياسية واقتصادية وأمنية واجتماعية معقّدة.
التحدّي الأكبر اليوم، ونحن على عتبة تحوّل تاريخي جذري، يكمن بتوفير حماية التنوع وحقوق الأقليات، ويوجب إيجاد سبل حقيقية للحفاظ على الوجود المسيحي في الشرق، ليس فقط كمسألة عددية، بل كجزء أساسي من هوية المنطقة وتاريخها المشترك. مع التأكيد على دور القرارات والاتفاقيات الدولية، والتشريعات والمشاريع الحكومية لكل دولة، كعناصر أساسية تؤدي إلى تحقيق هذه الحماية.
ألا تكفي كل هذه المآسي وما تحمله من ابادة للأقليات، وخاصة المسيحية، كي يقتنع المجتمع الدولي، ومدّعي التآخي واحترام حقوق الإنسان، وسائر الشركاء في الوطن، بضرورة اعتماد الفدرالية وحتى الكونفدرالية، كخيار لا بديل عنه، لحماية التنوع الثقافي في لبنان والشرق؟
