اتجهت الأنظار، أمس الأحد، إلى سوريا حيث برز مشهد قضائي لافت تمثل في إطلاق جلسات "العدالة الانتقالية" التي تطالُ رموز النظام السوري السابق.
وأمس، انطلقت محاكمة المسؤول الأمني في النظام السابق عاطف نجيب الذي مكث داخل قفص الاتهام مُقيد اليدين، فيما كان العنوان الأبرز أيضاً هو محاكمة الرئيس السوري السابق بشار الأسد وشقيقه ماهر غيابياً.
وفي ظل مشهد المحاكمة الذي تناقله السوريون بكثافة، كانت الأنظار شاخصة إلى القاضي الذي كان يدير الجلسة، وهو المستشار فخر الدين العريان، وهو الرجل الذي كان قاضياً منشقاً في حقبة النظام السابق، وصدرت بحقه أحكام غيابية بالاعدام وصودرت أملاكه.
فماذا نعرف عن العريان وماذا تقول المعلومات عنه؟
- ينحدر العريان من بلدة سلقين في ريف إدلب
- درس الحقوق في جامعة حلب عام 1988، قبل أن يبدأ مسيرته المهنية داخل مؤسسات الدولة ويتدرج في السلك القضائي، حتى وصل إلى منصب مستشار في محكمة الاستئناف المدنية بإدلب
- مع تصاعد احتجاجات الثورة السورية واللجوء المتزايد إلى الحل الأمني، حسم العريان موقفه في وقت مبكر. ففي 13 آذار 2013، ظهر في تسجيل مصور ليعلن خروجه عن مؤسسات النظام. وحينها، قال العريان في تسجيل له: "أمام المسؤولية الملقاة على عاتق القضاة الذين هم حُماة العدل والحق، ونتيجة لما يرتكبه النظام من مجازر جماعية بحق المدنيين والأطفال والنساء، وأمام هذه الظروف ووفاء منا للوطن والقَسَم؛ أعلن أنا القاضي فخر الدين العريان - مستشار محكمة الاستئناف المدنية بإدلب - انشقاقي عن وزارة العدل، وانضمامي إلى مجلس القضاء السوري المستقل، لأكون مع زملائي المنضوين تحت هذا المجلس درعاً حصيناً للعدل والمساواة، وعاشت سوريا حرة أبية".
- بعد انشقاقه، انتقل إلى العمل ضمن وزارة العدل في الحكومة السورية المؤقتة، وخلال تلك المرحلة ارتبط اسمه بتأسيس "مسار قضائي موازٍ" نشأ خارج بنية النظام المخلوع
- عمل العريان على بناء محاكم بديلة في مناطق المعارضة، وإدارة الملفات القضائية، وتوثيق جرائم النظام المخلوع. وفي المقابل، رد النظام بإصدار أحكام غيابية قاسية بحقه، شملت الحكم عليه بالإعدام، ومصادرة ممتلكاته وبيع بعضها في مزادات علنية
- مع سقوط النظام وتغيُّر المشهد السوري، عاد اسم العريان إلى الواجهة في حزيران 2025، إثر صدور المرسوم الرئاسي "رقم 70" الذي نص على طي مراسيم العزل والأحكام الاعتبارية بحق عدد من القضاة وإعادتهم إلى عملهم
- تُوِّج هذا المسار بتعيينه -في كانون الثاني الماضي- رئيساً لمحكمة الجنايات الرابعة في دمشق، ضمن خطوات إعادة تشكيل السلطة القضائية
- في أولى جلسات العدالة الانتقالية جلس العريان على المنصة، وأمامه وقف رئيس فرع الأمن السياسي الأسبق في درعا -الذي أُوقف في كانون الثاني 2025- مكبل اليدين
- بموجب قانون أصول المحاكمات الجزائية، أتاح المسار الغيابي للمحكمة بدء إجراءات ملاحقة بشار وماهر الأسد.
واستهل العريان الجلسة قائلاً: "نبدأ اليوم أولى محاكمات العدالة الانتقالية في سوريا… [التي] تشمل متهما ملقى القبض عليه، موجود في قفص الاتهام، وتشمل متهمين هاربين من وجه العدالة".
وقُبيل بدء الجلسة، وجه العريان عبر حسابه على "فيسبوك" رسالة إلى السوريين، كتب فيها: "بعون الله، تنطلق اليوم أولى خطوات العدالة في مواجهة من أذاقوا السوريين ويلات القتل والتعذيب والقهر".
وأضاف "لكل أمّ شهيد، ولكل أمّ لمعتقل، ولكل أسرة هُجِّرت قسرا، ولكل صاحب بيت مدمر، إلى أهلنا سكان المخيمات الأكارم، لكل شاب وشابة تركوا مقاعد الدراسة بعد أن دمر المجرمون مدارسهم ومدنهم وأحلامهم، إلى كل من حمل السلاح مدافعا عن العِرض والأرض فارتقى شهيدا جميلا، صوتكم اليوم حاضر أمام القضاء، وحقوقكم لن تُنسى".
ويحمل موقع فخر الدين العريان اليوم دلالة بارزة في المشهد السوري، فهو يجمع بين تجربة القاضي الذي عرف مؤسسات الدولة من الداخل، ثم قاد مساراً قضائياً موازياً في المعارضة، ليعود أخيراً ويرأس أولى المحاكمات التي تفتح ملفات حقبة النظام السابق
