كان "لا بد" من حصول الانشطار الأخير بين الدولة كلها و"حزب الله" على النحو الذي ارتسم مع أعنف جولات التساجل بين رئيس الجمهورية والحزب ورفع الرئيس سقف الردود إلى حدود رد التهمة بالخيانة إلى الحزب كلًّا. لم تكن المرة الأولى قطعا يناهض الحزب السلطات الشرعية، بينما هو يتغلغل فيها وفي دولتها العميقة، ولم يغادر حكومة ولا مجلسا نيابيا منذ التسعينيات من القرن الماضي. لكنّ ما كان سابقا لم يعد يستقيم مع الحاصل الآن، وما سيكون بعده، لا بالنسبة إلى الدولة ولا سائر المكونات السياسية والطائفية والاجتماعية في لبنان، ولا تحديدا وخصوصا بالنسبة إلى "حزب الله".
يرتكب الحزب ذروة الأخطاء الاستراتيجية، ليس بإمعانه في تبرير فاشل فارغ من أي ذكاء، لتسخيره وتسخير الطائفة الشيعية برمتها من جانب إيران في حروب الاستباحة والتوظيف والاستثمار الإقليمي عبر استباحة لبنان فحسب، وإنما أكثر بعد، في جنون العظمة الكارثي الذي يدفعه إلى الظن فعلا أنه منتصر. يذهب البيان الأخير لأمينه العام إلى القطع نهائياً مع الدولة وكأنها غير قائمة، في إسقاط الاعتراف بأيّ من قراراتها. ولولا الازدواجية الدائمة التي تطبع استنساخ الحزب لسلوكيات مرجعيته إيران في التعامل مع الداخل والخارج، لكان عليه فورا إعلان سحب وزرائه من الحكومة. مع ذلك، فإن الحزب لا يقيم اعتبارا لما يراكمه في الداخل، حتى مع تلقيه الرسالة الأشد تعبيرا عن الانشطار بينه وبين أركان الدولة في رد الرئيس جوزف عون على حملات الإقذاع التخوينية التي يجردها الحزب ويردها إليه.
بعد واقعة الروشة مع رئيس الحكومة ومواقف الأخير الثابتة من الحزب الذي "لا يرهبنا"، والموقف الأخير لرئيس الجمهورية، بات الحزب المستقوي يوميا بعشرات البيانات الميدانية التي يزعم فيها أنه يهزم إسرائيل في الجنوب، وهي تحتل ما يناهز "الشريط الأصفر" وتحول كل مناطق الجنوب الأخرى إلى ركام كارثي لم يعرف لبنان مثيلا له بضخامة آثاره وتداعياته… بات هذا الحزب فعلا خارج الدولة كلها وليس خارجا عن القانون فقط، وفق تصنيف الدولة اللبنانية لجسمه العسكري.
قرار الدولة في مجلس الوزراء لم يُنفَّذ إطلاقاً على الأرض، بدليل الحرب التي يخوضها الحزب وتكشف بطبيعة الحال أنه لا يزال يمتلك ترسانة من الصواريخ والمسيرات وسائر مشتقات الجسم القتالي والميداني، بما فيها قدرات التصنيع في شبكة الأنفاق تحت الأرض المتمددة من الحدود الشرقية والبقاع الشمالي إلى الجنوب مرورا بالضاحية، على الأقل. ولكن الترسانة، ولو تسببت بأشد الخسائر الموجعة والقاسية لإسرائيل، لم تعد تصنع نصرا في حرب أعادت الاحتلال الإسرائيلي من كل بوابات الجنوب إلى أسوأ وجوهه، ولا قدرة على انقلاب داخلي لا يزال عقل عتيق متقادم يتحكم في الحزب يظن أنه متاح بترهيب باهت فاقد كل الفاعلية لم يعد يخيف أحدا، ولو امتطى شكلا محدثا في وسائل التواصل الاجتماعي.
يفقد الحزب الحد الأدنى من الحكمة، حكمة الارتداع عن محاصرة نفسه، بحيث لا يترك مجالا متبقيا لليوم التالي بعد الكارثة التي يتحمل تبعاتها كما لم يتحمل طرف أو فريق أو طائفة في لبنان تبعات أيّ كارثة مرت عبر تاريخه القديم أو الحديث.
تُمعن طهران في مناوراتها مع أميركا فوق الركام، وتدفع الحزب في لبنان إلى يوم الدينونة!
نبيل بو منصف - "النهار"
