بعد مهرجان الأهداف، يأتي الكفاح. بعد السيمفونية، تأتي معركة الشوارع. فوز باريس سان جيرمان بنتيجة 5-4 على بايرن ميونيخ يوم الثلاثاء كان نوعاً واحداً من نصف نهائي دوري أبطال أوروبا. هذا كان شيئاً مختلفاً تماماً. لم يكن هناك عرضٌ مثير بـ9 أهداف هنا، بل مجرّد مباراة شهدت 3 ركلات جزاء: اثنتان سُجِّلتا، وواحدة أُلغِيت بشكل مثير للجدل. خرج أرسنال من مباراة الذهاب في مدريد بتعادل 1-1.
تجلّت الدراما هنا في الغالب بين المنطقتَين الفنّيتَين، أمام شاشات حكم الفيديو المساعد، وفي تبادلات مشحونة داخل النفق. كانت مباراة حُسمت نتيجتها بأضيق الفوارق، وهو ما يناسب مواجهة بين مدربَي أرسنال ميكيل أرتيتا وأتلتيكو مدريد دييغو سيميوني، وهما مدربان معروفان بتفضيلهما للإنضباط على الاستعراض. لقد كانت هذه المباراة بالضبط كما توقعها الجميع.
ومع ذلك كلّه، كانت مشوّقة بطريقتها الخاصة: مواجهة نابضة ومشحونة بالجدل. 90 دقيقة آسرة تركت المواجهة متوازنة تماماً. ومع امتلاك أفضلية الأرض في مباراة الإياب، سيشعر أرسنال أنّه في موقع قوي للتأهل.
كان يمكن أن يكون الوضع أفضل. بالكاد تمكّن أرتيتا من كبح غضبه بسبب ركلة الجزاء التي أُلغِيت في وقت متأخّر. الحكم داني ماكيلي أشار في البداية إلى نقطة الجزاء، عندما بدا أنّ دافيد هانكو عرقل إيبيريتشي إيزي. ومع احتجاجات سيميوني الحادة على الخط الجانبي، دفع حكم الفيديو المساعد ماكيلي لمراجعة اللقطة. ما ترك أرتيتا يتساءل "كيف بحق الجحيم" يمكن قلب القرار؟
واعتبر مدرب أرسنال: "لا يوجد خطأ واضح وصريح. وهذا يغيّر مسار المباراة. وعلى هذا المستوى، أنا آسف، لكن لا يمكن أن يحدث هذا". وكانت ركلتا الجزاء السابقتان محل جدل شديد أيضاً. شعر أتلتيكو أنّ فيكتور يوكيريش بالغَ في الاستفادة من الاحتكاك، ليحصل على ركلة جزاء لأرسنال قبل نهاية الشوط الأول بقليل. وعلى رغم من احتجاجاتهم، نفّذ يوكيريش ركلته بدقّة قاسية.
وكان أرسنال غاضباً بالقدر نفسه عند احتساب لمسة يد على بن وايت داخل منطقة الجزاء. ارتدّت الكرة إلى يَد وايت. وبينما يمَيل الدوري الإنكليزي الممتاز إلى التساهل في مثل هذه الحالات، فإنّ تعريفات الاتحاد الأوروبي لكرة القدم أكثر صرامة.
وأوضح أرتيتا: "في الدوري الإنكليزي، ليست ركلة جزاء. لكن هنا عليّ أن أتقبّل ذلك مع القوانين وبالنظر إلى مدى اتساق تطبيقها. ما يجعلني غاضباً للغاية هو كيف بحق الجحيم تلغى ركلة الجزاء على إيبز (إيزي) بالطريقة التي حدثت بها، في حين لا يوجد خطأ واضح وصريح".
من بين متع ليلة الثلاثاء كانت مشاهدة أمثال خفيتشا كفاراتسخيليا ومايكل أوليزي يرهقان ظهيرَي الخصم. وربما كانت المواجهة الأكثر تذكّراً في هذه المباراة هي الاحتكاك في النفق بين بن وايت وسيميوني، إذ بدا أنّ المدرب الأرجنتيني مستاء من أنّ مدافع أرسنال داس على شعار نادي أتلتيكو الزخرفي. التوتر بين الفريقَين يَعِد بإشعال فتيل مباراة إياب قد تكون متفجّرة.
وكما كان متوقعاً، كانت مواجهة مشوّقة من الناحية التكتيكية. صمد أرسنال أمام بداية قوية من الفريق المضيف قبل أن يسيطر على الشوط الأول. استُخدِم ديكلان رايس في دور أعمق، إذ كُلّف بقيادة البناء الهجومي وإخماد الهجمات المرتدة.
في الشوط الثاني، تمكّن أتلتيكو من بناء زخم مستمر. قاتلوا بشراسة على الكرات الثانية، محوِّلين الكرات المرتدة إلى سلسلة من الفرص الجيدة.
وكانت هناك أيضاً لمحات من الجودة الفردية. ربما لم تكن الألعاب النارية التي أضاءت باريس في الليلة السابقة، لكنّها كانت شرارات. اندفع نوني مادويكي إلى العمق وسدّد كرة مرّت بجانب القائم بقليل. تخلّص ويليام صليبا من المهاجمين بسهولة تامة وبأناقة لافتة. وفي خضم اندفاع أتلتيكو في الشوط الثاني، سدّد أنطوان غريزمان كرة مقوّسة رائعة ارتطمت بالعارضة. وأظهر ألفاريز لمسته حتى استبداله في الدقيقة 78.
بغضّ النظر عن نتيجة مباراتَي الإياب الأسبوع المقبل، هناك احتمال لنهائي مثير. سواء كان بايرن أو باريس سان جيرمان ضدّ أتلتيكو أو أرسنال، فسيكون ذلك صداماً واضحاً في الأساليب، أكثر من مجرّد مباراة، بل معركة أفكار.
وعلى رغم من كل الإعجاب بالمباراة في باريس، أثار كلارنس سيدورف الذي فاز بأربعة ألقاب في دوري أبطال أوروبا مع أياكس (1995)، وريال مدريد (1998)، وميلان (2003، 2007)، بعض المخاوف. كان ناقداً لمستوى الدفاع المعروض.
وأوضح سيدورف: "كانت الشباك النظيفة دائماً مقدّسة بالنسبة لحراس المرمى، وقد رأينا فريقاً مثل أرسنال يصنع الفارق هذا العام، بعدد كبير من المباريات من دون استقبال أهداف ووصوله إلى هذه المرحلة. إذا كان عليّ أن أحدِّد فريقاً الآن قادراً على حسم اللقب بسبب هذه القدرة، فهو في الواقع أرسنال".
إذا وصل أرسنال إلى بودابست، فسيتمّ بلا شك تصويره على أنّه نقيض خصومه. وسيأمل أن يكون علاجهم
