صحافة

تباين الرئاستين الأولى والثانية.. سحابة عابرة تحت سقف التحديات الكبرى



 

في لحظة لبنانية تحيط بها المخاطر، برز السجال بين الرئاستين الأولى والثانية كعنوان داخلي لافت. إلا أن القراءة الأعمق لمسار الأحداث توحي بأن ما جرى لا يتجاوز كونه تباينا ظرفيا فرضته طبيعة المرحلة وتعقيدات الملفات المطروحة، لاسيما تلك المرتبطة بمسار التفاوض المباشر مع إسرائيل، وسط ضغوط دولية متزايدة لإعادة رسم قواعد الاشتباك في الجنوب.

 

وقال مصدر سياسي رفيع لـ «الأنباء» ان «ما حصل لا يعكس تحولا بنيويا في العلاقة بين الموقعين، بل يندرج في إطار اختلاف مقاربات حول إدارة مرحلة دقيقة، إذ إن قنوات التواصل بين رئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي لاتزال مفتوحة على أعلى المستويات ولن تنقطع تحت أي ظرف، لأن التحديات التي تواجه لبنان تتجاوز بكثير أي تباينات داخلية، مهما ارتفع سقفها إعلاميا أو سياسيا».

 

 

وتابع المصدر: «يأتي هذا السجال في وقت يواجه فيه لبنان ضغوطا متراكمة تتصل بملف الحدود الجنوبية واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية، إلى جانب مساع دولية حثيثة لدفع بيروت نحو الانخراط في مسار تفاوضي برعاية أميركية، وهو مسار لايزال محاطا بكثير من الالتباسات المرتبطة بتوقيته وشروطه وضماناته.

 

 

وفي هذا السياق تبدو المواقف الرسمية، رغم تباين نبرتها، محكومة بسقف وطني واحد يقوم على ربط أي تقدم تفاوضي بوقف كامل للعمليات العسكرية الإسرائيلية، بما يضمن عدم تحويل المفاوضات إلى غطاء لاستمرار الضغوط الميدانية».

 

وأشار المصدر إلى أن «الإشكالية لا تكمن في مبدأ التفاوض بحد ذاته، بقدر ما ترتبط بإدارة هذا الملف الحساس داخليا، حيث تتداخل الاعتبارات السيادية مع الحسابات السياسية، إضافة إلى هواجس مرتبطة بكيفية تفسير أي خطوة تفاوضية في الداخل والخارج. وهذا ما يفسر التباين في مقاربة بعض التفاصيل، من دون أن يعني ذلك وجود افتراق فعلي في الأهداف النهائية».

 

ولفت المصدر إلى أن «ما يحكى عن غياب التنسيق بين الرئاسات لا يعكس الواقع بدقة، إذ إن الاتصالات قائمة بشكل مستمر، ولو بعيدا من الأضواء، وأن طبيعة المرحلة تفرض أحيانا تباينات في التعبير لا في الجوهر، خصوصا في ظل تصاعد الضغوط الإعلامية ومحاولات البعض استثمار أي اختلاف لإحداث شرخ في البنية السياسية الداخلية».

 

وأوضح المصدر أن «لبنان يحاول الاستفادة من الزخم الدولي الداعم لمسار التهدئة، لاسيما في ظل إدراج الملف اللبناني ضمن أولويات الإدارة الأميركية، إلى جانب دعم أوروبي وعربي لخيار التفاوض كمدخل لإنهاء التصعيد. إلا أن هذا المسار يبقى محفوفا بالتحديات، خصوصا مع استمرار الانتهاكات الإسرائيلية، ما يضع الدولة اللبنانية أمام معادلة دقيقة تقوم على تحقيق توازن بين الانخراط في الجهود الديبلوماسية والحفاظ على ثوابتها السيادية».

 

وشدد المصدر على أن «الأولوية في هذه المرحلة ليست لتسجيل النقاط السياسية، بل لتثبيت الاستقرار ومنع الانزلاق نحو مواجهة أوسع، وأي تباين داخلي يجب أن يقرأ ضمن هذا الإطار، والتجارب السابقة أثبتت أن الأزمات الكبرى تدفع القوى السياسية في لبنان إلى إعادة التموضع تحت سقف المصلحة الوطنية، وهو ما يتوقع أن يتكرر في المرحلة الراهنة».

 

ورأى المصدر أن «السجال الأخير، على حدته، لن يترك أثرا طويل الأمد على العلاقة بين الرئاستين، في ظل إدراك مشترك بأن لبنان يقف أمام استحقاقات مصيرية تتطلب أعلى درجات التنسيق، وأن أي انقطاع في التواصل سيترجم تلقائيا كضعف في الموقف الوطني في مواجهة التحديات الخارجية، وهو أمر لا يملك أي طرف ترف تحمل كلفته في هذه المرحلة».

 

داود رمال - "الأنباء الكويتية