بقلم المحامي فؤاد الأسمر
يُنسب إعلان لبنان الكبير إلى البطريرك الياس الحويك (1843-1931) والذي تفيد بعض المراجع التاريخية بأنه قاد جهوداً دبلوماسية مكثفة في مؤتمر الصلح بباريس (1919) لتحقيق هذا الإعلان، في حين أن الوثائق تثبت خلاف ذلك.
ففي الواقع ان البطريرك الحويك، الذي وُلِد ونشأ بظل المجازر التي تعرض لها الموارنة خلال الأعوام ١٨٤٠ و١٨٦٠، وكابد ابادة المسيحيين في جبل لبنان (كفنو)، والمجازر التي قضت عليهم في الشرق عامة، وبقيّت دون محاسبة، كان مقتنعاً بأن تعايش المسيحيين في بلد واحد مع مجموعات تضطهدهم وتسعى إلى إبادتهم يشكل خطراً محتّماً يهدد وجودهم ومستقبلهم.
من هنا تثبت مراسلات البطريرك الحويك إلى وزارة الخارجية الفرنسية مطالباته بإقامة كيان مسيحي، يكون ملاذاً لمسيحيي الشرق، تابعاً لفرنسا ويخضع لحمايتها.
على خط موازٍ، تم رفع عدة مطالب إلى مؤتمر الصلح، منها العودة إلى جبل لبنان القديم مع توسيع حدوده واقرار استقلاليته، ومنها الانضمام إلى سوريا ضمن اتحاد فدرالي تحت وصاية أميركية، وأخرى نادت بسلطة الملك فيصل، بحيث جاءت رؤية ومطالب البطريرك الحويك أقرب إلى أهداف فرنسا الرامية إلى فرض سيطرتها على الساحل الشرقي للمتوسط، خاصة بعد خلافها مع بريطانيا حول تنفيذ اتفاقية سايكس - بيكو.
على أثر ذلك نشطت عملية وساطة بين حكومة جورج كليمنصو في باريس والبطريرك الحويك أفضت إلى تسوية على إقامة كيان لبناني، ذات غالبية مسيحية، تحت وصاية فرنسية وضمن الحدود التي رسمتها فرنسا.
بنتيجة ذلك، انتقل البطريرك الحويك، بمواكبة عسكرية فرنسية، إلى فرساي، حيث قدّم لمؤتمر الصلح المذكرة التي أعدّها وسلمها له الفرنسيون تحت اسم Les Revendications du Liban وقد سارعت فرنسا للموافقة عليها وإعلان لبنان الكبير.
بعد هذا الإعلان، وخاصة بعد الاستقلال، سرعان ما بدأت تتحقق مخاوف البطريرك، اذ انفجرت الصراعات والصدامات بين اللبنانيين، الذين انقسموا بين فئة مسيحية خائفة على وجودها ومرتابة من لبنان الكبير، وبين فئة أخرى لم ترغب يوماً به ولا يلبي طموحاتها وتطلعاتها، بحيث كان لبنان كياناً هشّاً ضمن محيط جيوسياسي، يرغب بنهشه والسيطرة عليه، وعمد إلى استغلال الانقسام بين اللبنانيين، الأمر الذي انعكس حروباً وفتناً على أرضه، فأنهكته وأدت، بشكل رئيسي، إلى استهداف المسيحيين والتنكيل بهم، بحيث تدهورت أعدادهم، بصورة دراماتيكية، وباتوا يعانون من خطر جدّي بالزوال على المديين القريب والمتوسط.
ان لبنان الكبير، بنظامه المركزي الأحادي، وتحدّياته المختلفة، شكّل ويشكل كارثة حقيقية على الوجود المسيحي فيه وعلى تعدديته المجتمعية، مما يوجب لزوماً اعادة النظر بالنظام اللبناني.
فهل تعي قياداتنا المسيحية اليوم ما نبّه اليه البطريرك الحويك منذ أكثر من قرن، وتسعى بجدية إلى حماية القيّم والمقدسات التاريخيّة بدلاً من مصالحها الآنيّة الزائلة؟
