كان لافتًا قول الرئيس بري عبر مكتبه الإعلامي إن "الكلام الذي ورد على لسان فخامة رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق إن لم نقل غير ذلك"... وهذا تكذيب صريح لكلام رئيس الجمهورية. لكن اللافت أكثر موقفه الملتبس من كل ما يجري في البلد، ما دفع الرأي العام إلى طرح العديد من الأسئلة، وتحديدًا حول مواقف الرئيس بري التي باتت أكثر التباسًا مما كانت عليه من قبل... حتى بات يصفه البعض بأنه المدخل الى الحديث مع الطائفة الشيعية وبأنه متفهّم ومعتدل، ويصفه البعض الآخر بأنه شريك لـ"حزبالله" لا بل أسوأ منه باعتبار أنّ الحزب يجاهر برأيه ويعمل بقوله، فيما هو يُظهر غير ما يُضمر ويقول غير ما يفعل... ويقف كثيرون غير عارفين حقيقة ما هو موقف بري!
دولة الرئيس، بناء على كل ذلك وتوضيحًا للرأي العام وللتاريخ، فضلنا التوجّه إليك بالسؤال لا توجيه الأحكام، لأن القصد هو دائمًا الحقيقة لا الإتهام. وبعيداً عمّن يناصرونك فيقبلون قولك وفعلك من غير سؤال، وعمّن يناهضونك فيرفضون تصديقك ومجاراتك من غير جدال، نودّ أن نأخذ الجواب منك حقيقةً لا تشوبها علّة ولا يسترها غشاء... لذلك جئناك بالسؤال عن واقع الحال.
دولة الرئيس، بعد كل هذا التناقض أحيانًا والغموض أحيانًا أخرى والإلتباس في كل حين، بتّ اليوم مطالبًا بالكثير من التوضيحات للرأي العام... هل أنت مع المفاضات المباشرة التي دعا اليها الرئيس عون بشروطها وظروفها الحالية أم مع استمرار القتال وترك الكلمة للميدان كما يقول الشيخ نعيم قاسم؟ أم أن لديك طرحًا ثالثًأ يُجنّب البلاد الدمار والجنوبيين النزوح، ويُجبِر إسرائيل على الإنسحاب من دون تفاوض ولا مكاسب، وما هو؟
وهل تعتبر مثلاً منشأ إتفاق وقف إطلاق النار إيرانيًا أم أميركيًا؟ إذا كان أميركيًّا نفهم عدم اكتراث راعيه للخروقات الإسرائيلية والسكوت عن بقاء الأرض محتلة، ولكن لا نفهم لماذا هلل له "حزبالله" وأطلق النار احتفالاً لحظة سريانه. وإذا كان إيرانيًّا ويستحق وصفه بالانتصار، نرجو حقيقةً تفسير عدم شموله ضرورة الإنسحاب الإسرائيلي من الجنوب وضرورة عودة النازحين، ولا نقول الأسرى.
وهل توافق على أن "حزبالله" منظمة خارجة على القانون كما صدر عن حكومة فيها ممثلان لك، أم تعتبره مقاومة والحكومة ورئيسها ومن معها خونة وصهاينة وعملاء كما يصفهم "الحزب"؟ واستطرادًا هل توافق أن يبقى "حزبالله" حالة شاذة ومنظمة مسلحة لا تلتزم القوانين تحت مسمى مقاومة، أم تريد لها أن تلقي السلاح رأفة بالشعب عمومًا وبالشيعة خصوصًا، ولنذهب معًا إلى بناء بلدٍ صالح للعيش لا طارد للفرص وللسلام وحتى لأبنائه؟
دولة الرئيس، أنت متهم اليوم بعرقلة المفاوضات لرفع سقف المطالب والمكاسب ولحفظ ماء الوجه، فبماذا تجيب، خصوصًا أنّ الفرصة تاريخية وقد لا تتكرّر؟ وإذا فشلت بسبب عدم تأييدك لها، فهل تتحمّل مسؤولية ذلك أمام الوطن والتاريخ؟
نعرف نحن كما يعرف الجميع أنك تقول لأم العريس شيئًا ولأم العروس أشياء أخرى، وتحاول إرضاء الأولى في السر ومبايعة الثانية في العلن... فعندما يحين موعد العرس، هل ستكون في صفوف هؤلاء أم أولئك، أم تصبو إلى أن تلعب دائمًا دور "العاقد" كاتب الكتاب؟
دولة الرئيس أنت تعرف أن إسرائيل لن تنسحب مجانًا، وهي القادرة على فرض الثمن. وطبعًا لن نراهن على إخراجها بالقوة، لأن هذا هراء، فلو كان ذلك ممكنًا لمنعناها من الدخول أصلاً. فما هو موقفك حيال ذلك وجنوبك مدمر وشعبك مهجر وقد ذهب سدًى كل ما بنيته للجنوب على مدى نصف قرن؟ هل أنت مع بقاء الوضع كما هو الآن، أم مع استعادة الأرض والأمن، ولا سبيل إلى ذلك إلا بمفاوضات مباشرة مع إسرائيل؟ فبين هذه وذاك، لا يمكن الوقوف في الوسط كما تقول الأغنية: (يا بتفكر يا بتحس لا ما فيك توقف بالنص).
ثمّة الكثير من الأسئلة التي ما وجد الرأي العام لها عندك إجابات لا تقبل التأويل: مثلاً، هل أنت كرئيس للسلطة التشريعية، تعتبر بقاء السفير الإيراني في لبنان شرعيًا أم غير شرعي؟ هل تعتبر "حزبالله" فصيلاً إيرانيًا يديره الحرس الثوري أم حزبًا لبنانيًّا كباقي الأحزاب اللبنانية؟ هل تعتبر أن ما حصل في الجنوب نتيجة حربَي إسناد، واحدة لغزّة وأخرى لإيران، كان في منزلته الصحيحة ولم يكن منه بدٌّ وأن النتائج توازي الدوافع، أم ترى مثل سائر اللبنانيين أنّ الدوافع خارجية والنتائج كارثية والتبرير أسوأ من التدمير؟ هل أنت راض أن ترى الجنوب يسقط ركاما أمام ناظريك فلا تؤيد الحرب ولا تبارك السلام؟
دولة الرئيس بري، لأننا نريد لك أن تدخل التاريخ، نسأل.. ولأننا نريد للبنان أن يبقى في الجغرافيا، نسأل.. ولأننا نريد لشعبنا أن يرتاح من سلاسل الحروب التي لا تنتهي، نسأل.. وإن كنّا لا ننتظر إجابات غدًا على هذه الأسئلة، إلا أننا نعرف أن الصرخة ستصل مسامعك ولا بدّ من موقف حيالها يوضح ويفلح...
للحقيقة يا دولة الرئيس تعبنا من الشعارات وتغطية الكوارث باليافطات. فقد بيّنت لنا الحرب أن هناك ما هو أخطر من السلاح لدى جماعة "المنتصرين في كل حين"، وأن الأولوية القصوى يجب أن تكون لنزعه قبل نزع السلاح، وهو هذا الوهم الجاثم على عقول وقلوب فيها من الحجر أكثر ما فيها من البشر. فعند كل إعلان لوقف إطلاق النار بعد تعميم الدمار يهب هؤلاء للاحتفال بما يسمّونه "الإنتصار"... وأنّ "بنت جبيل لم تسقط"!
بلى سقطت بنت جبيل، ليس يوم دمّرها الإسرائيلي ودخل ساحاتها وبيوتها متبجّحًا، بل يوم غادرها آخر كهل تاركًا في أرجائها تعبًا وعمرًا وذكريات، ويوم تركها آخر طفل انتشلته أمه من بين أنياب الحرب وما انتشل هو لعبته ليكون له في غربة النزوح رفيق. سقطت بنت جبيل، وغير بنت جبيل، يوم سقطت سقوف بيوت أهلنا لأنها صارت بلا أعمدة، فأعمدة البيوت أهلها وأهل البيوت أعمدتها، والكرامة أن نحيا بداخلها بعزّة وأمان لا يعكره حامو الرؤوس كلما هدأت النفوس.
دولة الرئيس ختامًا، هل لديك أي مخرج لوقف الدمار غير المفاوضات؟ إذا نعم فلماذا التأخير؟ وإذا لا، نعود إلى السؤال الأساس: هل أنت مع المفاوضات الجارية حاليًّا؟ إذا نعم، جاهِرْ وبادر بلا تردّد خدمة للبلد والناس. وإذا لا، إلتزم خيارك علنًًا لا مواربة، ولنترك للتاريخ الأحكام!
