خاص

خاص: جوزاف أمين - المفاوضات... واجب وطني



بقلم جوزاف أمين

المفاوضات ليست مجرد شكل تقني لإدارة النزاعات، بل هي انعكاس مباشر لطبيعة القرار السياسي ولمن يمتلكه فعليًا. وبين المفاوضات المباشرة وغير المباشرة يتحدد مستوى السيادة والجرأة في اتخاذ القرار.

المفاوضات المباشرة تعني جلوس الطرفين المعنيين وجهًا لوجه، من دون وسيط ناقل للرسائل. هنا يكون الكلام واضحًا، المسؤوليات محددة، وتتخذ القرارات بسرعة نسبية، كما حصل في بعض مراحل اتفاق كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل على سبيل المثال لا الحصر، حيث أدى التفاوض المباشر إلى اتفاق نهائي غيّر وجه المنطقة.

أما المفاوضات غير المباشرة، فهي تجري عبر وسيط يمكن أن يكون دولة، منظمة، أو حتى مبعوث ما ينقل الطروحات بين الطرفين. هذا الشكل يُستخدم عادة عندما تكون الحساسية السياسية أو الأيديولوجية عالية، أو عندما يرفض أحد الأطراف الاعتراف بالآخر. مثال على ذلك ما شهدناه في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل والتي تنازل بها المعنيون عن مساحة لا بأس بها من مساحة لبنان البحرية حفاظًا على وجودهم ويا للأسف، والتي جرت  دون لقاء مباشر.

هنا يبرز السؤال الأهم بالنسبة لنا، أيهما أفضل وأصدق بالنسبة للبنان؟
من حيث المبدأ، المفاوضات المباشرة أكثر صدقًا وشفافية، لأنها تضع كل طرف أمام مسؤولياته دون أقنعة. لا يمكن التذرع بسوء الفهم أو تحميل الوسيط مسؤولية التحريف. في المقابل، المفاوضات غير المباشرة غالبًا ما تُستخدم لتأجيل الحسم، أو لتمرير تسويات لا يريد أحد تبنيها علنًا ولذلك يرفضها حزب الله وبشدة.

لكن في الحالة اللبنانية، المسألة أعقد، كون لبنان ليس دولة بقرار مركزي صلب، بل ساحة تتقاطع فيها الإرادات الداخلية والخارجية. لذلك، تُفرض المفاوضات غير المباشرة أحيانًا كحل توفيقي يحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف، دون أن يعكس بالضرورة قرارًا سياديًا كاملًا، وهذا ما نراه خبثًا أو تنازلًا عن السيادة.

لكن لماذا يرفض الحزب وأزلامه  المفاوضات المباشرة؟
الجهات المحسوبة على محور ما يُعرف بالممانعة تطرح عدة حجج لرفض التفاوض المباشر مع إسرائيل، أبرزها:

رفض الاعتراف السياسي:
يرون أن الجلوس المباشر يعني اعترافًا بشرعية إسرائيل، وهو ما يتعارض مع خطابهم القائم على اعتبارها كيانًا غير شرعي، وكأن رأيهم سيغير من الواقع السياسي العالمي.

الحفاظ على سردية المقاومة:
التفاوض المباشر قد يُضعف خطاب المواجهة الدائمة، ويحوّل الصراع من نزاع وجودي إلى نزاع قابل للحل، وهذا يتناقض مع جوهر مشروعهم السياسي القائم على ولاية الفقيه وان السلاح له هدف حين ظهور المهدي المنتظر،

الارتباط بمحاور إقليمية:
القرار لدى هذه القوى ليس محليًا بالكامل، بل مرتبط بتوازنات إقليمية تقودها إيران، التي تستخدم ورقة الصراع مع إسرائيل ضمن استراتيجيتها الأوسع. وبالتالي، أي تفاوض مباشر خارج هذا الإطار يُعتبر خروجًا عن الخط العام.

الخشية من الانكشاف الداخلي:
التفاوض المباشر يفرض وضوحًا في الأهداف والتنازلات، ما قد يخلق مساءلة داخلية محرجة، خاصة في بيئة سياسية مبنية على الشعارات أكثر من البرامج.

رفض المفاوضات المباشرة ليس  موقفًا مبدئيًا بحتًا، بل هو خيار سياسي مرتبط بحسابات القوة والنفوذ. فحين تكون المفاوضات غير المباشرة تؤدي إلى نفس النتائج كما في ترسيم الحدود البحرية، يصبح السؤال مشروعًا: هل الرفض هو مسألة مبدأ، أم وسيلة للحفاظ على دور سياسي معين؟

في الخلاصة، الفرق بين النوعين ليس فقط في الشكل، بل في الجرأة على تحمّل المسؤولية. إذا أراد لبنان أن يكون دولة فعلية لا مجرد ساحة، يحتاج إلى قرار واضح، هل يتعامل مع واقعه بواقعية سياسية، أم يبقى أسير التوازنات والشعارات؟
هنا يقع القرار على عاتق رئيس الجمهورية مدعومًا بقرار مجلس الوزراء.