كتبت صحيفة "النهار":
شكّلت عودة الاغتيالات الإسرائيلية لقادة وكوادر في "حزب الله" بعد أقل من شهر من اعلان وقف النار، وفي غارة استهدفت عقر الضاحية الجنوبية لبيروت ليل الأربعاء الماضي، مؤشراً واضحاً إلى أن لبنان لا يزال في المنطقة المتوهّجة والشديدة الخطورة، بما لا يؤمن معه لصمود ما تبقى هدنة مفترضة حتى مع تعاظم الرهانات الرسمية على الجولة الثالثة المقبلة من محادثات واشنطن بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية في الأسبوع المقبل. وإذ صار في حكم المؤكد أن هذه الجولة ستعقد على يومين متعاقبين بما يفترض أن تحمله من برمجة واسعة للمفاوضات الجوهرية بين الجانبين، لم يبدّد ذلك المخاوف من الاتّساع المتدرّج للتصعيد الميداني الجاري في الجنوب وأبعد منه، خصوصاً مع ظاهرة توسيع إسرائيل لبيكار التحذيرات والإخلاءات تحت تهديد القرى والبلدات الجنوبية الى مسافات طويلة باتت تلامس أقصى شمال الليطاني. ولم تغفل أوساط على صلة وثيقة بأهل السلطة الواقع الشديد الحرج الذي يواجهه الحكم والحكومة بين الضغوط والتحديات الكبيرة التي سيواجهها الحكم اللبناني في طرح التزامات يفترض أن يكون قادراً على تنفيذها، وأولها قدرة لبنان على تنفيذ قرار حصرية السلاح بنزع سلاح "حزب الله" في مقابل انسحاب إسرائيل انسحاباً كاملاً من كل الأراضي التي احتلتها. كما يواجه في الداخل "انفصاماً" رسم معالمه "الثنائي الشيعي" الذي يعلن من دون حرج رهانه وارتباطه بالمسار الإيراني الأميركي، فيما هو يفتعل أزمة حيال خيار بلاده وحكمه في التفاوض لوقف الحرب التي استدرجها "حزب الله". وزادت قتامة هذا الواقع مع إحياء الذكرى الـ18 أمس لغزوة "حزب الله" بيروت في 7 أيار 2008، والتي أحدثت آثاراً ومفاعيل وتداعيات بالغة السلبية لجهة توظيف الاستقواء بالترهيب الدموي المسلح في النزاعات السياسية الداخلية. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن استدراج فصول الحروب رافقه التهويل بحملات مقذعة على رئيسي الجمهورية والحكومة وتفجير أزمة قطيعة بين الرئاستين الأولى والثالثة، بما يبقي الوضع خاضعاً للتفخيخ الداخلي، فيما يصعب التكهن مسبقاً بما ستفضي إليه المفاوضات في جولاتها المقبلة.
وأمس، أكدت مصادر السفارة اللبنانية في واشنطن لـ"النهار" أن الجولة الثالثة من المحادثات اللبنانية الإسرائيلية ستعقد الخميس والجمعة المقبلين في واشنطن، كما أكدت الخارجية الأميركية هذا الموعد. وسيكون الوفد اللبناني برئاسة السفير السابق سيمون كرم، ويضم سفيرة لبنان في واشنطن ندى حماده معوض والقائم بأعمال السفارة وسام بطرس وشخصية عسكرية. وفي بيروت أفادت معلومات "النهار" أن السفير السابق سيمون كرم، سيتوجه إلى العاصمة الأميركية مزوداً بتوجيهات رئيس الجمهورية جوزف عون، حول نقاط البحث والمطالب اللبنانية التي ترعى سقف التفاوض. ووفق هذه المعلومات، فإن كرم سيطرح ورقة من خمس نقاط أساسية تشمل هذا السقف، وتقضي بالتزام إسرائيل بوقف الاعتداءات في شكل كامل ونهائي تمهيداً لبدء البحث في الانسحاب، إطلاق الاسرى، عودة أبناء القرى والبلدات الجنوبية، وصولاً إلى ترسيم الحدود البرية.
وعلم أنه بعدما حسم رئيس الجمهورية قراره بعدم الموافقة على الاجتماع برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بناء لطلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأبلغه إلى السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، يجري العمل على الإعداد لزيارة عون إلى البيت الابيض ولقاء الرئيس الأميركي من أجل عرض وجهة النظر اللبنانية والأسباب الكامنة وراء عدم لقائه نتنياهو. وتشدّد مصادر بعبدا على أن بدء التفاوض لا يعني أن التوقيع سيكون غداً. وتشير إلى أن التوجيهات المعطاة للوفد اللبناني تقضي ببدء التفاوض على اتفاق أمني، على أن يُستكمل هذا المسار باتفاق سلام تحت سقف مبادرة السلام العربية التي تم التوافق عليها في قمة بيروت عام 2002.
وليس بعيداً من الاستحقاقات المتعاقبة، علمت مراسلة "النهار" في باريس رندة تقي الدين من مصادر ديبلوماسية دولية أنه في الأول من حزيران المقبل سيقدم الأمين العام للأمم المتحدة تقريراً إلى مجلس الأمن الدولي يتضمن اقتراحاته المختلفة حول انتداب المراقبين الذين سيخلفون قوة "اليونيفيل" في جنوب لبنان التي ستغادر لبنان في 31 كانون الاول. ويبني الأمين العام خياراته المختلفة على محادثات أجراها وفريق عمله مع القيادات اللبنانية. وتشير المصادر الديبلوماسية إلى احتمال أن يقدّم الأمين العام خيارات مختلفة بالنسبة إلى حجم فريق المراقبين الدوليين الذين يقترح أن يخلفوا "اليونيفيل" وأن تتركّز مهمتهم وعملهم على reporting liaison monitoring ، أي بما يشبه ما يقوم به مراقبون دوليون حالياً في الجولان ولبنان إلى جانب "اليونيفيل" وعددهم الآن حوالي مئة أو أكثر. لكن الاقتراح قد يلحظ عدداً بحوالى ألفي مراقب أو أكثر من ذلك حسب ما يتم الاتفاق عليه في النهاية. وتؤكد المصادر أن الفريق الأممي الذي سيخلف "اليونيفيل" لن يكون "يونيفيل أخرى معدّلة" بل فريق أممي مراقب قد يحتاج إلى تصويت مجلس الأمن على إنشائه. وتقول المصادر إن إسرائيل تعارض دائماً وجود قوة للأمم المتحدة في الجنوب، لكن المصادر تعوّل على احتمال أن يكون الموقف الأميركي بالنسبة للبنان مختلفاً عن الموقف الإسرائيلي في هذا الخصوص. وتضيف المصادر أن هناك ضرورة للتصويت على مهمة جديدة لفريق الأمم المتحدة، واقتراحات الأمم المتحدة مبنية على إطار القرار 1701 وليس على أساس احتلال القوات الإسرائيلية القرى اللبنانية أو رسمها خطوطاً جديدة بين البلدين.
ولم تتطرق جلسة مجلس الوزراء التي انعقدت في السرايا أمس إلى الملف التفاوضي، إذ اشار وزير الإعلام بول مرقص إلى أن "الحكومة أقرّت بعض البنود الإدارية التي كانت عالقة بسبب الحرب"، وقال: "لم نبحث في موضوع المفاوضات في مجلس الوزراء، وهناك تنسيق بشأن ذلك على المستوى الرئاسي". وأوضح أن رئيس الحكومة نواف سلام أعلن أنّه بصدد زيارة سوريا على رأس وفد وزاري لمناقشة مجالات التعاون وتعزيز العلاقات الثنائية، وأنه يتابع اتصالاته لتثبيت وقف إطلاق النار ومنع الاعتداءات الإسرائيلية ووقف عمليات التدمير في البلدات الجنوبية.
على الصعيد الميداني، أعادت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية التاكيد أمس أن الجيش الاسرائيلي أغار الأربعاء "وقضى على أحمد غالب بلوط، قائد وحدة "قوة الرضوان" – وحدة الكوماندوز النخبوية التابعة لحزب الله – في الضاحية الجنوبية لبيروت". كما أفاد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي أن الجيش الإسرائيلي "اغار على أكثر من 15 بنية تحتية إرهابية في مناطق عدة بجنوب لبنان ومن بينها مستودعات ومواقع لتصنيع وسائل قتالية ومقرات قيادة ومواقع إطلاق ومبانٍ استخدمت لأغراض عسكرية، حيث عمل عناصر "حزب الله" من داخل المباني للدفع بمخططات إرهابية ضد قوات جيش الدفاع العاملة في جنوب لبنان وضد دولة إسرائيل. كما دمرت داخل مواقع الإطلاق التي تم استهدافها منصات صاروخية كان يستخدمها إرهابيو "حزب الله" لإطلاق قذائف صاروخية نحو أراضي دولة إسرائيل. وقال إن "جيش الدفاع قضى على أكثر من 220 مخربًا من صفوف حزب الله الإرهابي منذ سريان تفاهمات وقف إطلاق النار".
ووجّه الجيش الإسرائيلي إنذاراً عاجلاً إلى سكان البلدات والقرى التالية: دير الزهراني، بفروة، حبوش بإخلاء منازلهم والابتعاد عن القرى والبلدات لمسافة لا تقل عن 1000 متر إلى أراضي مفتوحة. واستهدفت غارات بلدات دبين وأرنون وزوطر الشرقية. وأغار الطيران الحربي الإسرائيلي على بلدة ياطر، كما نفّذت مسيّرة غارة على طريق عام خربة سلم، قلاوية حي (الطبالة)- قضاء جبيل. واستهدفت مسيّرة إسرائيلية آلية في بلدتي ديركيفا وحناويه – قضاء صور. وتعرّضت النبطية ومنطقتها صباح أمس لغارات جوية إسرائيلية أدت إلى سقوط قتيل وعدد من الجرحى وتدمير كبير في المباني والمنازل. وأفيد عن مقتل العامل في مجال الدليفري في النبطية شربل عساف، جراء الغارة. وليلاً، نفّذ الجيش الإسرائيلي تفجيرًا في مدينة الخيام، تزامنًا مع عملية تمشيط بالأسلحة الرشاشة.

