صحافة

هل يتعطّل التّفاوض إذا لم تلتزم إسرائيل وقف النّار؟



 

منذ الجولة الأولى للتفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل في 14 نيسان، ثمّ 23 نيسان برعاية شخصيّة من الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، وصولاً إلى جولتَي التفاوض في 14 و15 أيّار على مستوى الوفود الموسّعة، لم يتمكّن لبنان من فرض مسار المحادثات وسط وقف تامّ وشامل لإطلاق النار.

 

لن يتغيّر هذا الواقع على المستوى المنظور، حتّى في ظلّ إنجاز الاتّفاق الأميركيّ الإيرانيّ، وسيبقى هذا الستاتيكو محكوماً، وفق مطّلعين، بالحسابات الداخليّة لبنيامين نتنياهو وما يريد تكريسه من واقع على الأرض ليستثمره على طاولة التفاوض.

 

 

مع ذلك يُراهِن لبنان، وفق مصدر مطّلع، على أن تكون المدّة الفاصلة عن الخميس المقبل كافية للجانب الأميركيّ لإقناع الإسرائيليّ بتوفير مظلّة لانطلاق المفاوضات المباشرة التي يريدها لبنان، بإلحاح، وهو ما يسمح بإجراء المحادثات اللبنانيّة-الإسرائيليّة بعيداً عن لغة النار، وبتحصيل رئيسَي الجمهوريّة والحكومة في الداخل “إنجاز” تحقيق هذا المطلب. لكنّ الواقع على الأرض لا يزال يرصد توسّعاً في العدوان الإسرائيليّ وصل إلى الشوف، و”تفنّناً” في ارتكاب المجازر بحقّ عائلات ومدنيّين.

 

 

وقف النار الشامل خطوة يراها رئيس الجمهوريّة أكثر من ضروريّة أيضاً في سياق تفصيل مهمّ، وهو تمتين التنسيق مجدّداً مع الرئيس نبيه برّي الذي يُجاهر دوماً في مجالسه بالعلاقة “المتينة مع الرئيس عون على الرغم من كلّ المطبّات”. فيما عمّمت جهات رسميّة لبنانيّة أنّه في حال لم يحصل تثبيت نهائيّ لوقف إطلاق النار لن يُبادر الوفد اللبنانيّ إلى مناقشة جدول الأعمال الذي لا يزال ضمن إطار التشاور اللبنانيّ-الأميركيّ والإسرائيليّ-الأميركيّ، رسّم بيان وزارة الخارجيّة الأميركيّة حدود هذا التفاوض بما جعله مادّة “مُعلّبة” وإلزاميّة للنقاش على الطاولة، “وسينخرط الوفدان في مناقشات تفصيليّة، تهدف إلى دفع اتّفاق شامل للسلام والأمن، يعالج بصورة جوهريّة الهواجس الأساسيّة لدى البلدين”. تاريخ لبنان

 

مع ذلك، يقول مصدر دبلوماسيّ لبنانيّ لـ “أساس”: “لقد زوّد عون السفير كرم بتوجيهات رئاسيّة تقضي بعدم نقاش بنود جدول الأعمال الذي وضعه الجانب اللبنانيّ إذا لم تتوقّف إسرائيل عن أعمالها العدائيّة في جنوب لبنان”. لكن يؤكّد مطّلعون حتّى الآن أنّ الشرط اللبنانيّ لبدء مفاوضات الوفدين غير قابل للتطبيق من جانب الإسرائيليّين لأنّ نتنياهو يريد الاستفادة قدر الإمكان من هامش التوتّرات على المسار الأميركيّ-الإيرانيّ.

 

 

يشير مطّلعون إلى نقطتين أساسيّتَين لا تُذكران عادة في المواقف العلنيّة لكلّ أطراف الصراع ستكون محادثات واشنطن معنيّة بحسمهما:

 

– تسعى الإدارة الأميركيّة الحاليّة إلى توسيع إطار التفاهمات بين لبنان وإسرائيل بما يتجاوز المطالب التي باتت معروفة للطرفين، من نزع سلاح “الحزب”، الانسحاب الإسرائيليّ، عودة الجنوبيّين، الإفراج عن الأسرى، وإعادة الإعمار. يكرّر ترامب أمام فريقه بأنّ “التخلّي الأميركيّ النسبيّ عن لبنان طوال الفترة الماضية سمح بوصول الأمور إلى ما وصلت إليه”، وترى الإدارة الترامبيّة الحاليّة، وفق مطّلعين، أنّها الفرصة الأنسب لتعميم تفاهمات لبنانيّة-إسرائيليّة، توصف بـ”الصلبة”، لا تطيح بها حكومات الطرفين عند حصول تغييرات داخليّة في البلدين، وستكون مدخلاً إلزاميّاً لاتّفاقات السلام المقبلة. يقول هؤلاء، نقلاً عن مسؤولين أميركيّين، “متى أُزيح “الحزب” جانباً يصبح التوصّل إلى تفاهمات مستدامة بين الدولة اللبنانيّة وإسرائيل أمراً سهلاً نسبيّاً، مع إعطاء هامش زمنيّ لإقرار هذه التفاهمات “التفصيليّة” والمستدامة حتّى نهاية العام في حدّ أقصى”.

 

– ستندرج ضمن ترسيم الحدود، أو “تثبيتها”، وفق المصطلح اللبنانيّ، مسألة القوّات الدوليّة التي سيكون لها دور في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار وإقرار التفاهمات مع إسرائيل. ستكون، وفق المصدر، جزءاً من نقاش موضوع الحدود، إضافة إلى تسليح الجيش، سيّما أنّ هناك تاريخاً يفرض نفسه، وهو انتهاء ولاية قوّات الطوارئ الدوليّة نهاية عام 2026.

 

 

يقول المصدر: “سيقدّم الأمين العامّ للأمم المتّحدة، بموجب القرار الدوليّ 2790، تقريره المتوقّع عن استكشاف الخيارات المستقبليّة لتنفيذ القرار 1701 بعد انسحاب “اليونيفيل” في ما يتعلّق بالأمن والخطّ الأزرق، لكنّ هذا التقرير قد لا يكون بالضرورة جزءاً من التصوّر الأميركيّ-الإسرائيليّ لجدوى وجود قوّة دوليّة في جنوب لبنان وحتّى في البقاع. تراهن واشنطن على دور أساسيّ للجيش اللبنانيّ، بعد تسليحه بما يلزم، لحماية الحدود. سمع المسؤولون الأميركيّون مراراً شكوى رئاسيّة ترتبط بكون “الجيش لا يستطيع أن يكون في كلّ مكان في الوقت نفسه”، وبكون دعمه ماليّاً ولوجستيّاً أمراً مُلزِماً للقيام بالمطلوب منه، لكنّه بحاجة في المرحلة الأولى إلى “إسناده” بقوّة دوليّة-عربيّة تغطّي فراغ “اليونيفيل”، فيما أطلق الرئيس عون شخصيّاً ما يُشبه النداء المرحِّب بكلّ دولة من “اليونيفيل”، أو خارجها، ترغب بالبقاء في لبنان بعد مغادرة قوّات الطوارئ”. تاريخ لبنان

 

سيكون هذا الملفّ تحديداً أحد أهمّ عوامل التوتّر الداخليّ. إذ ينظر الفريق القريب من “الحزب” إلى الأمر من زاوية أنّ “المطلوب أميركيّاً تسليح الجيش اللبنانيّ بوجه “الحزب”، ولن يتمّ تسليحه بوجه إسرائيل التي يسعى لبنان إلى إنجاز تفاهمات سلام معها”.

 

 

هكذا تشكّل مسألة تثبيت الحدود مع إسرائيل، ترسيمها مع سوريا، وربطها بدور الجيش في المرحلة المقبلة، عامل ضغط يخشى البعض في الداخل أن يكون بمنزلة أجندة أميركيّة “خالصة”، فيما الجهات الرسميّة في لبنان تؤكّد أن “لا شيء تحت الطاولة، وقبل أن يذهب لبنان إلى التفاوض المباشر أعلنت الحكومة سلسلة قرارات تخصّ السلاح من جهة، والمطلوب من الجيش من جهة أخرى، وبالتالي لا أجندات سوى بسط سيادة الدولة مع أو من دون قوّة دوليّة”.

 

ملاك عقيل - اساس ميديا