خاص

خاص: فايز مشموشي - لبنان بين مفاوضات واشنطن وطهران: هل يُحسم مصير الداخل على طاولة الخارج؟



بقلم العميد المتقاعد فايز مشموشي

في ظل المفاوضات غير المباشرة والمتواصلة بين الولايات المتحدة وإيران، يقف لبنان مرة جديدة في قلب الاشتباك الإقليمي، لا على هامشه. فالمشهد الحالي يؤكد أن أي تسوية أو تصعيد بين واشنطن وطهران سينعكس مباشرة على الساحة اللبنانية، باعتبار أن لبنان لا يزال يمثل إحدى أبرز ساحات النفوذ الإيراني في المنطقة عبر حزب الله، وفي المقابل إحدى أوراق الضغط الأميركية  الإسرائيلية في مشروع إعادة رسم التوازنات الإقليمية.

حتى الآن، لا تبدو المفاوضات الأميركية  الإيرانية قد حققت اختراقاً حقيقياً. فإيران ما زالت ترفض تقديم تنازلات جوهرية تتعلق ببرنامجها النووي أو بنفوذها الإقليمي، فيما تبدو الولايات المتحدة عاجزة عن فرض الشروط التي أعلنتها منذ بداية المواجهة. فالهدف الأميركي المعلن لم يكن تدمير إيران، بل دفعها إلى القبول بتسوية استراتيجية تشمل النووي ودورها الإقليمي، إلا أن طهران نجحت حتى اللحظة في الحفاظ على جزء كبير من أوراق قوتها، سواء عبر استمرار نفوذها في المنطقة أو عبر قدرتها على تهديد المصالح الأميركية وحلفائها .

وفي هذا السياق، تعكس تصريحات قيادات الحرس الثوري الأخيرة استمرار منطق الردع والتهديد، من خلال التلويح باستهداف القواعد والمصالح الأميركية في المنطقة، ما يعني أن المنطقة لا تزال تقف على حافة مواجهة واسعة قد تشمل أكثر من ساحة عربية، من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان.

هنا لا بد من التوقف عند التحول الأميركي نحو الساحة اللبنانية، وقراءته ضمن حسابات الرئيس ترامب، الذي لم يتمكن حتى الآن من تحقيق اختراق حاسم في الملف الإيراني، سواء لناحية البرنامج النووي أو تقليص النفوذ الإقليمي لطهران، يواجه أيضاً تعثراً واضحاً في ملف الحرب الروسية الأوكرانية، رغم المساعي السياسية والمفاوضات التي دعمتها واشنطن منذ عودته إلى السلطة.
هذا التعثر في أكثر من ساحة دولية دفع ترامب  إلى البحث عن ملف قابل للتسويق السياسي والدبلوماسي، فبرز الملف اللبناني كإحدى النقاط التي يمكن استثمارها لإظهار قدرة واشنطن على فرض ترتيبات جديدة في الشرق الأوسط.
 ومن هنا، تصاعد الضغط الأميركي على الدولة اللبنانية تحت عنوان تثبيت وقف إطلاق النار جنوباً، والدفع تدريجياً نحو مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، تتجاوز الطابع الأمني إلى مقاربة سياسية أوسع قد تصل إلى إطار يشبه “السلام المفروض تحت النار”.وتدرك واشنطن أن أي تقدم في هذا المسار، حتى وإن كان محدوداً، قد يمنح ترامب إنجازاً سياسياً يحتاجه في ظل الإخفاقات أو المراوحة في ملفات دولية أكثر تعقيداً. 
لذلك، تبدو الساحة اللبنانية بالنسبة للإدارة الأميركية مدخلاً لمحاولة تسجيل نقطة استراتيجية، ليس فقط في إطار حماية أمن إسرائيل، بل أيضاً لإظهار أن الولايات المتحدة ما زالت قادرة على إعادة رسم التوازنات الإقليمية وفرض وقائع سياسية جديدة في المنطقة.

الواقع اللبناني يبقى الأكثر تأثراً بهذه السياسات. فالمفاوضات الجارية بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية، لا يمكن فصلها عن المسار الأميركي  الإيراني الأشمل. ورغم المحاولات الأميركية والداخلية لفصل الملف اللبناني عن الصراع الإقليمي، إلا أن الوقائع الميدانية والسياسية أثبتت أن هذا الفصل لم ينجح إذ بقي حزب الله ملتزم بقرارات الحرس الثوري والسياسة الإيرانية وليس بقرارات الدولة اللبنانية.

فالتطور الأخير المتمثل بتكليف السفير سيمون كرم  بمتابعة التفاوض مع الجانب الإسرائيلي يعكس رفع مستوى الاهتمام والجدية للدولة اللبنانية للوصول إلى حل، خصوصاً في ما يتعلق بتثبيت وقف إطلاق النار، الانسحاب الإسرائيلي، إعادة الأسرى، وعودة النازحين إلى الجنوب. لكن خلف هذه العناوين، يبقى المطلب الأميركي الأساسي واضحاً: معالجة ملف سلاح حزب الله ضمن مهلة زمنية محددة، تحت عنوان حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية والتصريحات العلنية للكيان انه لا انسحاب قبل حصر السلاح.
غير أن هذا الطرح يصطدم بواقع داخلي وإقليمي معقد. فحزب الله لا يتعامل مع سلاحه باعتباره ملفاً لبنانياً داخلياً فقط، بل كجزء من منظومة إقليمية مرتبطة مباشرة بإيران والحرس الثوري. لذلك، فإن أي محاولة لنزع هذا السلاح بالقوة السياسية أو الأمنية ستؤدي إلى تصعيد داخلي خطير داخل الساحة اللبنانية.

من هنا، يبرز السؤال الأساسي: هل يمكن فعلاً معالجة ملف سلاح حزب الله داخلياً، أم أن الحل يمر حكماً عبر التفاوض مع إيران؟
الوقائع السياسية تشير إلى أن أي تسوية جدية لا يمكن أن تنجح من دون تفاهم إقليمي مباشر يشمل طهران. فحزب الله يشكل بالنسبة لإيران أحد أهم أذرع النفوذ الاستراتيجي في الشرق الأوسط، والتخلي عن هذه الورقة لن يكون مجانياً. لذلك، فإن أي نقاش حول مستقبل السلاح سيبقى مرتبطاً بحجم المكاسب السياسية والأمنية التي قد تحصل عليها إيران في المقابل، سواء على مستوى العقوبات، أو الاعتراف بدورها الإقليمي، أو ضمان مصالحها في المنطقة.

وفي المقابل، يدرك المجتمع الدولي أن الضغط على لبنان وحده لن يؤدي إلى نتائج حاسمة، لأن القرار النهائي لا يُتخذ بالكامل داخل بيروت. لذلك، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على خيارين: إما استمرار المراوحة الحالية مع تصعيد إسرائيلي تدريجي وضغط اقتصادي وسياسي على لبنان، أو الذهاب نحو تسوية إقليمية واسعة تضع ملف حزب الله ضمن سلة تفاوض أكبر بين واشنطن وطهران.

رغم تعقيدات المشهد، تبقى أمام لبنان فرصة أساسية تتمثل بإعادة الانفتاح على العالم العربي والمجتمع الدولي، خصوصاً الدول الخليجية وأوروبا والولايات المتحدة. فهذا الانفتاح قد يشكل مظلة سياسية واقتصادية تحمي لبنان من الانهيار الكامل، وتمنحه هامشاً للمناورة في خضم الصراع الإقليمي.
فبين واشنطن وطهران، يبقى لبنان عالقاً بين ضغوط الخارج وهشاشة الداخل، بانتظار تسوية قد تعيد رسم موقعه ودوره في المنطقة، أو تدفعه نحو مرحلة أكثر خطورة وتعقيداً.