بعد الصدى الواسع الذي أحدثته المقابلة الأخيرة للرئيس الفخري لجامعة الروح القدس الكسليك الأب البروفسور جورج حبيقة في برنامج "كلام يوصل" مع الإعلامي أنطوان سعادة (بتاريخ 28 نيسان 2026)، وردود الفعل الكثيرة المتفاعلة مع مضامين ما تناوله الأب حبيقة بكل موضوعية وجرأة تمس الطروحات السياسية والكيانية التي يعلو الجدال حولها هذه الفترة، وجد موقع "أخبار البلد" أنه من الأهمية المعرفية بمكان تسليط الضوء على أبرز نقاط التفاعل، ومنها:
الجدال حول "المسألة الشيعية" والمواطنة
كانت هذه النقطة الأكثر استقطاباً للتعليقات؛ حيث دعا الأب حبيقة إلى ما أسماه "معالجة القضية الشيعية" من منظور وطني، معتبراً أن الطائفة الشيعية طاقة عظيمة يجب أن لا تُسجن في "الثورة الإيرانية". جاءت مقاربة الأب حبيقة متعددة الأبعاد الوطنية والكيانية والإنسانية والفلسفية.
ردود الفعل المؤيدة: رأت في كلامه حرصاً على الشراكة الوطنية ومحاولة لإنقاذ المكوّن الشيعي من صراعات المحاور.
ردود الفعل المعارضة: اعتبر بعض الناشطين (خصوصاً من البيئة المؤيدة لـ"حزب الله") أن توصيفه للسياسة الحالية بـ "الكربلائية الدائمة" فيه تبسيط أو نقد غير منصف لخيارات استراتيجية.
دعوته لـ "صلح الحديبية" كمدخل للحل
أثارت استعارته التاريخية من التراث الإسلامي، حيث دعا الشيخ نعيم قاسم للاسترشاد بـ "صلح الحديبية" عند غياب توازن القوى، تفاعلاً ثقافياً لافتاً. وجاءت التعليقات على ذلك أيضًا مختلفة حيث أشاد كثيرون بقدرة الأب حبيقة على الغوص في الفقه السياسي الإسلامي لتقديم مخارج "لبنانية" للأزمات، بينما اعتبرها البعض تدخلاً "لاهوتياً" في شؤون سياسية وعسكرية معقدة.
أما بالنسبة إلى انتقاد سلاح "حزب الله" ومفهوم "السلاح زينة الرجال"، فقد توقف المتابعون عند نقده اللاذع لمقولة "السلاح زينة الرجال"، معتبراً أن السلاح أضعف الشيعة ولم يقوِّهم لأنه عطّل لغة "الديالوغوس" (الحوار والعقل).
وجاءت ردود الفعل على هذا الأمر متزاحمة إذ ضجت صفحات التواصل بمقاطع فيديو لهذا الجزء تحديداً، حيث استشهد به معارضو الحزب كدليل على "فشل مشروع القوة العسكرية"، في حين واجهه أصحاب الرأي الآخر بحدة، معتبرين أن السلاح هو الذي يحمي الأرض.
المسألة الرابعة التي أثارت نقاشات واسعة في حديث الأب حبيقة كانت: الهوية اللبنانية و"مختبر الإنسانية".
كالعادة، نال طرحه الفلسفي حول لبنان كـ"مشروع للإنسانية" و"مختبر للعيش معاً"، إشادات واسعة من الأوساط الأكاديمية والطلابية. وتم تداول مقولته بأن "كل مجتمعات العالم (مثل فرنسا) أصبحت تشبه لبنان في تنوعها"، مما أعاد للجمهور الثقة في "الرسالة اللبنانية" وسط أجواء الإحباط السائدة.
المقابلة وُصفت بأنها "مقابلة المكاشفة"، وبأنها قوية جدًا من حيث الجرأة في إثارة المسائل الكبيرة ومقاربتها العميقة بالتحاليل المتماسكة والموثقة، انتقل فيها الأب حبيقة من المقاربة الأكاديمية الصرفة إلى الانخراط المباشر في القضايا الراهنة (السلاح، الدور الإيراني، مستقبل الشراكة، إدارة التنوع وتفعيله، إلخ)، وهو ما جعل ردود الفعل تتجاوز الإطار الروحي لتصبح "نقاشاً وطنياً" بامتياز بين مؤيد لـ "سيادة الدولة" وحيادية لبنان الإيجابية وداعم بقوة لطروحات الأب حبيقة الفلسفية واللاهوتية والفقهية والوطنية والإنسانية، وبين منتقد لهذا النوع من المقاربات معتبرًا انها يطغى عليها طابع التنظير المجافي للواقع المعقّد.
فالمقطع الذي يتناول مآتي الثورة الإيرانية في مقابلة الأب البروفسور جورج حبيقة مع الإعلامي أنطوان سعادة كان الأكثر حدة ووضوحاً من الناحية النقدية، وقد أثار موجة واسعة من النقاش العقلاني على منصات التواصل الاجتماعي... منها تساؤله الجوهري حول "ماذا قدمت الثورة الإيرانية للبشرية على الصعيد القيمي أو العلمي أو الحضاري؟" قوبل بردات فعل يمكن تلخيصها في ثلاثة اتجاهات:
التأييد للمنطق "الإنتاجي والحضاري": كثير من المتابعين، خاصة من النخب الفكرية، أثنوا على هذا الطرح لأنه ينقل النقاش من العاطفة الدينية إلى "معيار الإنتاج الحضاري".
التعليقات: ركزت على فكرة أن الشعوب تُقاس بما تقدمه للإنسان من قيم ومبادئ سامية ومؤنسنة، ومن فرح الوجود والرفاهية، والعلم، والفنون، وليس بما تملكه من ترسانات عسكرية.
الصدى: تم تداول هذا المقطع كدعوة لمراجعة "جدوى" المشاريع الإيديولوجية التي تستنزف طاقات الشعوب من دون تقديم إضافة حقيقية للتطور البشري.
الصدمة والمواجهة الإيديولوجية
في المقابل، أحدث هذا التساؤل صدمة لدى جمهور محور "المقاومة"، فكانت ردود الفعل دفاعية أحيانًا وهجومية أحيانًا أخرى.
الردود: حاول البعض تعداد "إنجازات" الثورة في مجالات التصنيع العسكري، التكنولوجيا النووية، أو الصمود في وجه الهيمنة الغربية.
النقد: وُجهت إلى الأب حبيقة انتقادات تتهمه بـ "الانحياز" للنموذج الغربي وتجاهل "كرامة الشعوب" التي ترى في الثورة الإيرانية نموذجًا للتحرر.
الإشادة بـ "التجرؤ على السؤال"
هناك فئة من المتابعين رأت في هذا المقطع تجسيداً لدور الأكاديمي الذي يكسر "التابوهات".
التحليل: إعتبر هؤلاء أن الأب حبيقة وضع الإصبع على الجرح في البيئة اللبنانية التي تعاني من تداعيات هذا المشروع الإقليمي.
التفاعل: تم استخدام هذا التساؤل في "ستوريز"(Stories) ومجموعات "واتساب" كأداة للمساجلة السياسية، مما جعل المقطع يتصدر المحتوى السياسي اللبناني لعدة أيام بعد المقابلة.
الخلاصة الفلسفية للتفاعل:
لقد نجح الأب حبيقة في تحويل "الثورة" من "مقدَّس" لا يُمس، إلى "ظاهرة سياسية" تخضع للمساءلة والقياس: هل هي ثورة حياة وإبداع، أم ثورة أيديولوجيا وموت؟ هذا السؤال بحد ذاته كان "الزلزال" الذي أحدثه الأب حبيقة في تلك الحلقة، لأنه وضع المدافعين عن هذا المشروع في موقف يتطلب تقديم "جردة حساب" حضارية أمام الجمهور اللبناني والعربي.
"أخبار البلد"
