صحافة

الذكاء الاصطناعي أداة إسرائيلية أساسية في إعداد "قوائم قتل" تستهدف "حزب الله"



حين تلقى المواطن اللبناني أحمد ترمس اتصالاً من جهة إسرائيلية تسأله إن كان يريد "أن يموت وحده أم مع من حوله"، ربما لم يكن يدرك أن هاتفه المحمول، وتحركاته اليومية، وعلاقاته الاجتماعية، وحتى نمط تنقله، أصبحت منذ سنوات جزءاً من منظومة مراقبة واستهداف مدعومة بالذكاء الاصطناعي. وبعد أقل من ثلاثين ثانية على مغادرته منزله في جنوب لبنان، استهدفته صواريخ إسرائيلية بشكل مباشر.

من هذه الحادثة، تنطلق صحيفة " لوس أنجليس تايمز" Los Angeles Times في تحقيق موسّع يكشف كيف تستخدم إسرائيل نظاماً متطوراً يعتمد على الذكاء الاصطناعي في تعقب عناصر مرتبطة بـ"حزب الله"  واستهدافها داخل لبنان، عبر دمج كميات هائلة من البيانات الرقمية القادمة من الهواتف الذكية وتحليلها، وكاميرات المراقبة، والطائرات المسيّرة، وإشارات Wi-Fi، وقواعد البيانات الحكومية، ومنصات التواصل الاجتماعي.

ويشير التحقيق إلى أن إسرائيل طورت خلال السنوات الماضية ما يشبه "سلسلة قتل رقمية" تعتمد على جمع البيانات وتحليلها بشكل لحظي، ما منحها قدرةً شبه كاملة على مراقبة تحركات عناصر الحزب وقياداته، منذ الهجمات على أجهزة الـPager الخاصة بعناصر "حزب الله" عام 2024، وصولاً إلى استهداف قادة ميدانيين وشخصيات بارزة فيه.

وكان ترمس، البالغ من العمر 62 عاماً، يعمل، بحسب ما ورد في التقرير، حلقة وصلٍ بين الحزب وسكان بلدة طلوسة الحدودية القريبة من إسرائيل، وهي بلدة ذات غالبية شيعية تحوّلت إلى ساحة قتال خلال المواجهات بين إسرائيل و"حزب الله" عام 2024. وبعد وقف النار الذي استمر 15 شهراً، إنشغل بالتنسيق مع فرق الإصلاح والدفاع المدني لإعادة تشغيل البلدة، بينما قالت إسرائيل إنه كان يعمل على "إعادة تأهيل البنية التحتية الإرهابية" التابعة للحزب.

ويشرح التحقيق أن وصول ترمس إلى "قائمة القتل" لم يكن نتيجة معلومة واحدة، بل نتيجة تراكم طويل للبيانات. فبحسب خبراء تحدثوا للصحيفة، كانت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية تراقب البلدة بشكل دائم، وتصوّر وجوه السكان، ومنازلهم، وسياراتهم، ولوحاتها، وأنماط حركتهم اليومية.

كما استخدمت إسرائيل، وفق التقرير، أجهزة تُعرف باسم Stingrays وهي أنظمة تحاكي أبراج الاتصالات وتجبر الهواتف المحمولة على الاتصال بها، ما يسمح بجمع بيانات دقيقة عن الموقع والتحركات والاتصالات بشكل مباشر.

ويقول أحد خبراء الذكاء الاصطناعي الذين تحدثوا للصحيفة إن تغيير شرائح الاتصال أو تبديل الهواتف لم يعد كافياً لتجنب التعقب، لأن الأنظمة الحديثة تعتمد على تحليل "البيانات الوصفية" الكاملة، بما يشمل:

• سجلات الاتصالات.
• المواقع الجغرافية.
• تبديل شرائح الاتصال.
• استخدام التطبيقات.
• النشاط على وسائل التواصل الاجتماعي.
• التعرف على الوجوه.
• البيانات البنكية أحياناً.
• العلاقات الاجتماعية وأنماط التواصل.

وبحسب التحقيق، تُجمع هذه البيانات عبر شبكات الهاتف، والمنصات التجارية، ووكالات استخبارات حليفة، وحتى عملاء ميدانيين على الأرض.

بعد ذلك، تدخل منصات تحليل متقدمة مثل نظام "مايفين" Maven التابع لشركة "بالانتير تكنولوجيز"Palantir Technologies على الخط، حيث تُصنف البيانات وتُربط بالأشخاص والأجهزة والحسابات المختلفة، بما يسمح ببناء خريطة زمنية لتحركات كل شخص وشبكة علاقاته.

ويشير التقرير إلى أن هذه الأنظمة قادرة على تحليل "تيرابايت"  Terabyte كاملة من البيانات خلال ثوانٍ، واكتشاف الأنماط السلوكية، ومقارنتها بتحركات أشخاص مصنفين مسبقاً باعتبارهم تهديداً أمنياً، أو رصد أي تغيرات غير معتادة في السلوك اليومي للشخص المستهدف.

ووفقاً للعقيد الإسرائيلي "يوآف"، رئيس مركز الذكاء الاصطناعي في الجيش الإسرائيلي، فإن النظام يستطيع تنفيذ عمليات التحليل خلال ثوانٍ، بينما كانت تحتاج سابقاً إلى مئات المحللين وأسابيع كاملة من العمل.

كما يوضح التحقيق أن إسرائيل استفادت من اختراقٍ استخباراتي عميق للبنان استمر عقوداً، شمل الوصول إلى قواعد بيانات الهواتف والمركبات، واختراق شبكات الاتصالات التابعة لـ"حزب الله"، إضافة إلى تأثر أمن الحزب خلال مشاركته في الحرب السورية بين عامي 2011 و 2024.
 

لكن التحقيق ينقل أيضاً تحذيراتٍ واسعة من مخاطر هذه الأنظمة. فبحسب الخبراء، يعتمد الذكاء الاصطناعي على "الترابط الإحصائي" لا على الفهم الكامل للسياق، ما يعني أن النظام قد يعتبر شخصاً ما "هدفاً" فقط لأنه يتواصل مع أفراد معينين أو يعيش في منطقة مرتبطة بالحزب.

وينقل التقرير رأياً لأحد الباحثين من معهد علم الجريمة في سلوفينيا، مفاده أن الأقارب، أو الأشخاص العاملين في التمويل أو الإعلام أو الدعم اللوجستي، قد يُصنفون باعتبارهم مقاتلين بسبب تشابه أنماط التواصل، رغم أنهم ليسوا منخرطين مباشرة في القتال.

كما يحذر متخصصون من أن هذه الأنظمة تخلق "وهماً بالدقة المطلقة"، رغم احتمال اعتمادها على بيانات ناقصة أو خاطئة، ما قد يؤدي إلى تكرار الأخطاء بسرعة أكبر وبثقة أعلى.

ويستعرض التحقيق أيضاً تاريخ استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب، بدءاً من برنامج SKYNET التابع لوكالة الأمن القومي الأميركية لتعقب عناصر "القاعدة" في أفغانستان، مروراً بمشروع Raven Sentry الذي استخدمه الجيش الأميركي لتحليل بيانات الهجمات والتنبؤ بمواقع العمليات المسلحة، وصولاً إلى الأنظمة الحالية التي تعتمد على قدرات حوسبة طورتها شركات مثل "أمازون" و"مايكروسوفت".

ورغم النجاح الإسرائيلي في هذا المجال، يشير التقرير إلى أن "حزب الله" بدأ بتعديل تكتيكاته الأمنية، عبر العودة إلى أساليب حرب العصابات التقليدية، وتقليص حجم الوحدات العسكرية، والاعتماد على هياكل لا مركزية، واستخدام وسائل تواصل أكثر أمناً وأقل قابلية للاختراق.

وفي ختام التحقيق، تعود الصحيفة إلى اللحظات الأخيرة في حياة أحمد ترمس. فبعد أن أعاد تشغيل هاتفه المحمول عقب عودته إلى منزله، تلقى الاتصال الإسرائيلي مباشرة. وعندما حاول أفراد عائلته إقناعه بالهرب أو التنكر، رفض قائلاً: "إنهم يعرفون وجهي، لا يمكننا فعل شيء". ثم غادر بسيارته، قبل أن تخترقها صواريخ إسرائيلية بعد أقل من نصف دقيقة.