بقلم المحامية جورجينا عسال
إنّ رسالة البابا لاوون الرابع عشر واتصالاته بأبناء الجنوب اللبناني، وما تحمله من دعوات إلى الصمود، تتجاوز إطار التضامن الروحي والإنساني، لتلامس فكرة لبنان ودوره في الشرق.
فلطالما نظر الفاتيكان إلى لبنان باعتباره أكثر من دولة، بل “رسالة”؛ أي نموذجًا للتعددية الدينية والثقافية والعيش المشترك، بين المسيحيين والمسلمين. وفي منطقة تمزّقها الحروب الإقليمية والصراعات الطائفية، يصبح الحفاظ على هذا النموذج فعل مقاومة حضارية بحد ذاته.
لكن المفارقة تكمن في أنّ لبنان، بدلًا من أن يحمل رسالة سلام، يجد نفسه باستمرار ساحةً للحروب. فالحرب الأخيرة بين إسرائيل و"حزب الله" أعادت طرح السؤال من جديد: هل يستطيع لبنان أن يتحوّل من أرض مواجهة إلى أرض حوار؟
قد تبدو الإجابة صعبة في ظل الانقسامات الداخلية وغياب القرار الوطني الموحّد. ففي الواقع، لا يمكن لأي بلد أن يكون صانع سلام من دون امتلاك عناصر الاستقرار الداخلي والسيادة الفعلية.
فصناعة السلام لا تتم بالشعارات وحدها، بل تحتاج إلى دولة قوية، وقرار وطني مستقل، إضافة إلى إرادة سياسية تضع مصلحة الشعب فوق الحسابات الإقليمية.
لذلك، يمكن قراءة رسالة البابا لاوون الرابع عشر كدعوة مزدوجة: دعوة إلى حماية الإنسان اللبناني من الحرب والانهيار، ودعوة إلى حماية فكرة لبنان نفسها، كجسر بين الشرق والغرب، وبين الأديان والثقافات، وبين الحرب والسلام.
فربما يكون التحدي الحقيقي أمام لبنان اليوم ليس فقط كيف ينجو من الحرب، بل كيف يتحوّل، رغم جراحه، إلى شريك في صناعة السلام في الشرق، لا مجرد ضحية لصراعاته.
