إذا كان رئيسا الجمهوريّة والحكومة يوصَفان من أقلام “الحزب” بأنّهما “غريبان عن البلد وناسه”، فماذا يسمّى الاغتراب عن الدولة للالتحاق بإيران ومصالحها؟
تصل حملة التخوين بحقّ الرئيسين جوزف عون ونوّاف سلام إلى حدّ الجزم أنّ عون يدير ملفّ المفاوضات مع إسرائيل لا لتحصيل شيء للبنان، بل “لتمرير ما تريده الولايات المتّحدة والمملكة السعوديّة” من “مآلب إسرائيليّة”.
قرّر “الحزب” إعلان حرب التخوين على الرئيسين لإسقاط المفاوضات، من دون أيّ نقاش في مسارها أو في المصالح الوطنيّة التي يمكن تحصيلها من خلالها.
ماذا يريد “الحزب” من رفض التّفاوض؟
في الواقع، لا يختلف موقف إيران، الذي يعبّر عنه “الحزب”، عن موقف حافظ الأسد عام 1982. كلاهما لا يرفض التفاوض مع إسرائيل وأميركا من حيث المبدأ، لكنّهما لا يريدان سوى احتكار الحقّ الحصريّ للتفاوض. لذلك يرفع “الحزب” شعارات التخوين في وجه رئيسَي الجمهوريّة والحكومة، لا لشيءٍ إلّا لأنّهما يعيدان امتياز التفاوض إلى الدولة.
اضطلاع الدولة بالتفاوض يساوي الاستقلال بالقرار السياديّ، وهذا هو الحرم الأكبر الذي تفرضه إيران من خلال “الحزب”. ثمّة محطّة مشابهة انتهت بانفجارٍ مروّع قرب السان جورج، حين نهض رفيق الحريري بكيان الدولة اللبنانيّة ليجعل منها محاوراً قائماً بذاته في المحافل الدوليّة والعربيّة، من طوكيو إلى الخليج إلى البيت الأبيض.
كان حافظ الأسد يفرض على لبنان التزام “وحدة المسار والمصير” في كلّ محطّات التفاوض مع إسرائيل، ليمسك بلبنان ضمن أوراقه التفاوضيّة. هذا بالضبط ما تفعله إيران بإصرارها على ضمّ لبنان إلى مسار التفاوض في إسلام آباد، ومنع رئيس الجمهوريّة من مباشرة التفاوض، على نحو ما تمليه سيادة الدولة وينظّمه الدستور.
الخطِر في ما كتبه “قلم الممانعة” أنّه ينقل مانيفستو الانقلاب على الشرعيّة. يقول إنّ “مناقشة عون وسلام أو محاسبتهما لا تنطلق من اعتبار أنّهما وصلا عبر المسار الشرعيّ الطبيعيّ”، لينتهي إلى الإنذار بأنّ مسار الرئيس عون لا يُخرج إلّا “الخراب بكلّ وجوهه”.
ما يمارسه المحور الإيرانيّ تجاه عون وسلام يتجاوز الخلاف في مقاربة التحدّي الإسرائيليّ إلى الانتقاص من شرعيّتهما، كمقدّمة للانقضاض على الدولة والانقلاب على أيّ التزام دوليّ يقدّمانه ما داما قرّرا إنشاء تمثيل للدولة مستقلّ عن إيران.
ليست الدولة في 2026 كما كانت في 1984. الشرعيّة اليوم مكتملة الأركان، بكامل النصاب الوطنيّ، وليس مسموحاً لأحد أن ينتقص منها ليسوّغ مسبقاً تكرار تجربة 6 شباط.
هكذا تكون المعارضة
المصالح اللبنانيّة تمثّلها المؤسّسات الشرعيّة، وفي أعلى سنامها رئيس الجمهوريّة، ومعه الحكومة. من شاء أن يعارض نتائج التفاوض فلينزل إلى البرلمان وليصوّت ضدّ أيّ اتّفاق ينتج عنه. أمّا أن يستمرّ “الحزب” باختطاف الدولة ورهن قرارها في بنك المصالح الإيرانيّة، فلم يعُد ممكناً في هذا الزمن.
ثمّ من يسمح لـ”الحزب” باحتكار تعريف المصالح الوطنيّة اللبنانيّة؟
يقرّ “الحزب” اليوم بعد طول نكران أنّ إسرائيل تتفوّق عسكريّاً وتكنولوجيّاً واستخباريّاً بشكل كاسح، ويطرح على اللبنانيّين نظريّته للمصلحة الوطنيّة بأن تقاوم العين المخرز، وأن يجنّد شباب الشيعة من سنّ العاشرة إلى سنّ الستّين، وأن يدفع بهم إلى الموت في الميدان وعلى درّاجاتهم الناريّة وفي غرف نومهم، وأن يضحّي بالاقتصاد والاستثمارات والسياحة والنموّ وفرص العمل، في سبيل الانتصار الاستراتيجيّ للمحور الذي يقوده الوليّ الفقيه في طهران.
يزعم “الحزب” في خطابه إلى الشيعة أنّه ما من خيارٍ آخر، وأنّ ما يقوم به الرئيسان ليس تقديراً مختلفاً للمصلحة الوطنيّة يصلح للنقاش، بل هو فعل خيانة محضة.
فلنطرح فكرة أخرى مجرّبة. إلى جانب لبنان بلدٌ خارجٌ لتوّه من حربٍ محت وجه الحياة على مدى 14 عاماً، وما إن سقط نظام الأسد حتّى احتلّت إسرائيل أجزاءً من جنوبه، وقصفت وزارة دفاعه في قلب دمشق، ومحيط القصر الرئاسي، وقتلت العشرات من جنوده. كيف صاغت سوريا مصالحها تجاه هذا التهديد الوجوديّ؟
أخذت أقلام الممانعة في لبنان بمعايرة دمشق بصمتها عن الاعتداءات الإسرائيليّة، وكأنّ فهمهم للمصلحة الوطنيّة يملي على سوريا أن تخوض في حربٍ مع إسرائيل تقضي على أيّ أمل بالتعافي.
لكن لحسن الحظّ أنّ دمشق سلكت طريق الواقعيّة، ففاوضت إسرائيل بشكل مباشر، على المستويَين الأمنيّ والسياسيّ، ولم تخجل أن يقابل وزير خارجيّتها الإسرائيليّين، ولم تتردّد في إعلان استعدادها لتوقيع اتّفاق أمنيّ. لم تخُن السلطة السوريّة مصالح بلدها، بل إنّها تمسّكت بخطوطها الحمر مقابل تعنّت إسرائيليّ، وتعثّرت المفاوضات، لكنّ السلطة السوريّة الحديثة الولادة اكتسبت صدقيّة دوليّة، وحصدت دعماً عربيّاً ودوليّاً لمسار التعافي وإعادة الإعمار، وتوالت الإعلانات عن استثمارات بعشرات مليارات الدولارات.
ليس جوزف عون ونوّاف سلام أقلّ حكمة في فهم المصالح اللبنانيّة وإدارتها، وليسا غريبين كما يزعم جماعة إيران، لكنّهما جديران بأن يحظيا بالفرصة التي حظي بها الشرع.
فليُطرح في العمق على أهل الجنوب الذين خسروا منازلهم وذاقوا كأس النزوح والخوف السؤال الآتي: هل كانوا يفضّلون نهج “الحزب” في مواجهة التفوّق العسكريّ الإسرائيليّ الكاسح منذ 7 أكتوبر/تشرين الأوّل حتّى اليوم، أم نهج الدولة، كما في المثال السوريّ؟
عبادة اللدن -اساس
