محليات

كلام الشيخ نعيم قاسم يثبّت الاحتلال الإسرائيلي؟



من حق الشيخ نعيم قاسم، كما كل مواطن لبناني، أن يعترض على سياساتٍ حكومية، إذ لا يمكن لقراراتٍ مهما علا شأنها، أن ترضي كل المعنيين بها. 

وقد يكون الشيخ قاسم على حق جزئياً في نظرته الى مسار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركا. إذ لم تقدّم تل أبيب حتى الساعة أي مؤشرات حسن نيّة لتسهيل المضيّ في التفاوض، حتى ليظهر للبناني أن حكومته مستعجلة وتحرق المراحل من دون مكاسب.  

لكن ليس من حق الشيخ نعيم قاسم وغيره، الانقلاب على الدولة، وإستعادة الإمساك بقرارات الدولة، بل مصادرة سلطة القرار، كما كان سابقاً منذ زمن الوصاية السورية. 

إن قيام الدولة التي يتحدث عنها بين الفينة والأخرى، الشيخ قاسم، لا يتحقق بالطريق التي يسلكها وكل من يؤيده، لأنه بمواقفه، يدكّ ما تبقى من إمكان إحياء المؤسسات. وهو، رغم توجيهه التهم الى أميركا وإسرائيل بالعمل لتخريب لبنان، إنما يساهم في تعزيز مخططات الدولتين حيال لبنان.  

قناة إخبارية لبنانية

لقد أدخل قاسم لبنان في حروب الآخرين، واستجلبها الى البلد، حتى أعاده ساحةً لتصفية حسابات اقليمية، وتم تحويله مادة تناتش ما بين مفاوضات إسلام أباد ومفاوضات واشنطن. تريد طهران أن تجعله ورقةً على طاولة مفاوضاتها، وترفض أميركا ذلك. 

بدا خطاب الشيخ نعيم قاسم الأحد تصعيدياً الى حدٍّ بعيد. ومردّ ذلك أسباب عدة منها:
- أولاً: صمود إيران راعية "حزب الله" في الحرب الأخيرة وعدم تخليها عما تسمى "أذرع إيران"، وبالتالي ازدياد الثقة بالدعم المستمر في ظل عدم سقوط النظام الاسلامي.

- ثانياً: زوال عامل الصدمة الذي سببته الحرب عام 2024، والتي أدت الى اغتيال السيد حسن نصرالله، وعدد كبير من قادة الحزب، وعملية "البيجرز" الشهيرة، وما سببت تلك الأحداث من تداعيات سلبية.

- ثالثاً: استعادة "حزب الله" زمام المبادرة في الحرب التي نشبت أخيراً، بقدرته على التحرك وملاحقة الاسرائيليين وإطلاق المسيّرات الخفيفة التي شكلت عنصر مفاجأة لاسرائيل.

- رابعاً: الإرباك الأميركي في التعامل مع لبنان والذي أضعف السلطة وأعاد تعويم الحزب وفق وجهة نظره. خصوصاً أن الادارة الأميركية لم تتمكن من الحصول على أي تنازل اسرائيلي في المفاوضات الجارية مع لبنان. 

- خامساً: التطمينات التي صدرت من سوريا حيال لبنان، وارتياح الحزب الى الأمر، ليخفف "نقزته" من إمكان محاولة الإطباق عليه بقاعاً من جهة الحدود مع سوريا. 
تصعيد قاسم
في كلام قاسم، أمس، مواقف كثيرة تهدد كيان الدولة وتضعف مواقفها في شتى المجالات، في الداخل والخارج: 
- إتهم الدولة بكونها "أداة للمشروع الإسرائيلي- الأميركي. كيف تقف الدولة ضدّ شعبها؟ كيف تلتقي بالهدف السياسي مع العدو الإسرائيلي؟". وأضاف: "توقعون على ورقة بالاستسلام، بإعطاء كل شيء للكيان الإسرائيلي، ثمّ بعد ذلك تلوّحون وتتحدثون ليل نهار مع الجميع: حصرية السلاح، حصرية السلاح، وإذ في 2 آذار سنة 2026 يطلع معكم أن تجرّموا المقاومة...". وتابع: "يا أخي إفهموا بالعربي الفصيح: نزع السلاح إبادة، وهذا لا يمكن أن نقبل به... السلطة ماذا تطلب منا؟ تقول ساعدونا لنجردكم من السلاح، فيسهل على إسرائيل أن تدخل إلى كل مكان في لبنان فتقتلكم وتهجركم وتحتل ما تشاء...". 

- وجه الشيخ نعيم قاسم تهديداً داخلياً للشركاء في الوطن: "ستدافع المقاومة عن الأرض والشعب والشرف، وكل من يواجهنا مع إسرائيل سنواجهه كما نواجه إسرائيل، وهذا السلاح سيبقى في أيدينا إلى أن تتمكن الدولة اللبنانية من القيام بواجبها عملياً وضمن الاستراتيجية الوطنية الواضحة المبرمجة التي فيها معايير قابلة للتطبيق والقياس". 

- اكد بالفم الملآن أن السلاح باق ولوح للحكومة بالرحيل: "حصرية السلاح هي في هذه المرحلة لاستهداف المقاومة، وهي مشروع إسرائيلي، اخرجوا منها، لا يوجد شيء اسمه حصرية السلاح، لا يوجد شيء اسمه نزع سلاح المقاومة. نزع السلاح يعني إلغاء العدوان، أين إلغاء العدوان؟ عندما تلغون العدوان بالنقاط الخمس، تعملون استراتيجية دفاعية، تستطيعون أن تقولوا ما تريدون. مسؤولية السلطة اللبنانية أن تحمي السيادة. يا أخي أنتم مسؤولون، مسؤولون عن ماذا؟ مسؤولون أنكم تأخذوا حقوقكم ولا تقوموا بواجباتكم؟ إذا كانت هذه الحكومة عاجزة عن تأمين السيادة، فلترحل. إذا كان عندكم قدرة بعد ولكن بشكل مستقيم أكملوا، ولكن إذا أنتم عاجزون فارحلوا". 

- دعا الحكومة الى العودة عن المفاوضات المباشرة: "المفاوضات المباشرة مرفوضة بالكامل. المفاوضات المباشرة كسب خالص لإسرائيل، عندكم التفاوض غير المباشر، اذهبوا إلى التفاوض غير المباشر. عودوا إلى التفاهم الوطني، تعالوا نجلس مع بعض ونتفاهم مع بعض ونجد حلاً نحن وإياكم. ... لكن لا تكونوا أنتم معهم وتطعنونا بالظهر، لن تستطيعوا أن تحصلوا على شيء".

- وأخيراً لوح بالشارع مجدداً: "من حق الشعب أن ينزل إلى الشوارع، وأن يُسقط الحكومة، وأن يقاوم هذا المشروع الإسرائيلي- الأميركي بكل ما أوتي من قوة". 

أمام هذا الواقع سيذهب المفاوض اللبناني الى واشنطن نهاية الشهر الجاري ومطلع حزيران، خالي الوفاض، إلا من ضعفٍ ووهن وعدم تماسك داخلي، ما ينعكس سلباً على لبنان. الادارة الأميركية ستطالب لبنان مجدداً، بحصرية السلاح، وضبط الحدود، ومنع العمليات العسكرية، والتصدي للمال "النظيف"، والمضي في اتفاقات مع الجوار، وربما ملاحقة المعاقبين اميركياً، ولبنان لن يكون قادراً على تقديم تعهدات في أي من الملفات، ولا أن يلتزم ما يمكن أن يتعهد به. وبالتالي ستكون مشاركته أشبه بالبروتوكولية.  

هذه الأمور ستضعف الثقة مجدداً  بالدولة، وستدفع راعي التفاوض الى البحث عن طريقة أو وسيط للتفاوض مع "حزب الله" (الوسيط الألماني ربما) وستعطي ذريعة إضافية لاسرائيل لرفض الانسحاب من الجنوب، ولاستمرار الاعتداءات اليومية، إذ سترى أن خطر الحزب عليها يتعاظم، وأن لبنان بات دولةً عاجزة لا يمكنها المضي في أي اتفاق، وأن مصير اتفاقها معه يمكن أن يكون مشابهاً لسقوط اتفاق 17 أيار، إلا إذا مضى الثنائي في اتفاقٍ موازٍ لإنقاذ وضعه، وتثبيت مكانته ودوره، وسيكون حكماً على حساب الدولة، وبالتأكيد على حساب الشركاء في الوطن.