بقلم أحمد الأيوبي
أثبت نعيم قاسم مرة إضافية أنّه ليس سوى بيدقٍ بأيدي الحرس الثوري الإيراني، ينطق بما يريده قادته من تثبيت اختطاف لبنان وتوظيف مأساة شعبه في خدمة إيران ومفاوضاتها مع الإدارة الأميركية. وهو، في هذا السبيل، لا يعنيه كلّ ما يجري من قتل وتدمير وتهجير، بما يعكس الانفصام الهستيري بين شعارات قاسم والواقع الميداني وما يحمله من حقائق مخيفة، منها مقتل الآلاف من مقاتلي "حزب الله" وحركة "أمل"، مع تدمير غير مسبوق للجنوب وبعض البقاع. وهذا كلّه، في حسابات الحزب، انتصار لا يُشقُّ له غبار.
يُهلِّل أتباع حزب إيران في لبنان لمطالبة طهران بأن يشمل وقفُ إطلاق النار لبنان، وهو شعار بعيد عن الواقع بشكل مذهل. فأيّ وقفٍ للنار وقد شارف الاحتلال على الوصول إلى النبطية وصور، وباشر تهجير أهلهما والتدمير فيهما؟ فحتى لو توقف الاشتباك الآن، فإنّ لبنان خسر ما قد يزيد على ربع أرضه احتلالا بريًا، وخسر سيادته المحتلة جويًا. وهذا ما يجعل دعوة قاسم إلى وقف المفاوضات التي تخوضها الدولة اللبنانية في واشنطن مع إسرائيل أكثر من ضرورة، كونها المرجع الصالح للتفاوض، وحتى لا تسرق إيران لبنان في مفاوضاتها مع الأميركيين.
ما يقوم به "حزب الله" عمليًا هو تهديد الوحدة الداخلية وتقويضها تحت عنوان المواجهة مع إسرائيل. فقد عاد قاسم إلى التهديد بإسقاط الحكومة بالقوة، في انعكاس واضح لنهج الانقلاب الذي يقوم عليه حزبه. فلا قيمة لمجلس النواب، ولا قيمة للتمثيل الشرعي، ولا للمؤسسات الدستورية عند حزبٍ دستورُه مستمدٌّ من دستور الولي الفقيه.
كان من أسوأ ما شاهده اللبنانيون تلك الاحتفالات البائسة بما يُسمّى "عيد المقاومة والتحرير"، وكان الأبشع قيام نازحين باستفزاز مضيفيهم باحتفالات وقحة في أماكن ضيافتهم، بينما تسبّب "الحزب" بتكريس الاحتلال الإسرائيلي وتوسّعه. والأخطر في هذا المسار أنّه كلّما طالت الحرب اقترب الانهيار الكبير.
يحارب "الحزب"، ومن ورائه الحرس الثوري، عنوان السلام مع إسرائيل، رغم أنّ إيران تفاوض "الشيطان الأميركي الأكبر" على رأسها، وتريد سلامًا دائمًا مع أميركا التي يسمّيها المحور "ربيبة إسرائيل". لكنّ قادة إيران لا يريدون للبنان أن يستقرّ ولا أن ينعم بالسلام، بل يريدون إبقاء الجبهة اللبنانية خاصرة رخوة لتحريك مصالحهم الإقليمية، وطبعًا على حساب اللبنانيين، حيث يشكِّل الشيعة وقود المواجهة، ويتحوّل بقية الشعب إلى ضحايا مباشرة وغير مباشرة للتلاعب الإيراني بمصيرنا.
يطلب اللبنانيون السلام، ليس رغبةً في التطبيع، بل لتأمين الاستقرار الداخلي. فقد أصبحت إسرائيل الآن عنصرًا لاعبًا في السياسة الداخلية مع احتلالها ربع لبنان، بفضل مغامرات حزب إيران وممارسات قوات الاحتلال من الحرس الثوري الإيراني. فالسلام هنا عكس الحرب، ولا أحد يريد الحرب. والتضليل الكبير الذي يمارسه "الحزب" هو هذا الخلط المقصود ليبقى محتكِرًا لفكرة المقاومة ونصرة فلسطين. والحقيقة أنّه، مع إيران، كان وما زال أسوأ من تاجر بفلسطين وبفكرة المقاومة، فقد سقطوا في وحول الحروب الطائفية في المنطقة، وهذا عارٌ غير قابل للغسل، وسيبقى سُبّةً في وجوههم على مدى الأزمان، كما هو حال الحشاشين وسائر الفرق الفاسدة.
كلّ ما يحصل من جدل حول السلام والمفاوضات هو استجرار لصرف النظر عن حقيقة هزيمة "الحزب". وصحيح أنّ هناك اختلافًا حول عنوان السلام وأبعاده، فهناك شرائح واسعة ترفض التطبيع، لكنّ الأكيد أنّ هناك إجماعًا من بقية اللبنانيين، بمن فيهم الجمهور السنّي، على رفض استمرار الحرب ورفض ربط لبنان بإيران. ومن هذا الإجماع تنطلق الدولة في التفاوض، وإن كانت مواقعها الدستورية تُضعف نفسها بالتردّد في بسط سيادة الدولة في الوقت الحاسم.
