في الوقت الذي تنهار فيه مؤسسات الدولة، وفي الوقت الذي ينتظر فيه اللبنانيون "ثورة إصلاحية" تنتشل ما تبقى من هيكل الدولة، تأتي السلطة السياسية لتوجه رصاصة الرحمة إلى ما تبقى من هيكلية الإدارة العامة.
إن التعيينات الإدارية التي أقرها مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة بتاريخ 22 أيار 2026 ليست مجرد ملء لشواغر، بل هي عملية سطو ممنهج على حقوق الموظفين الإداريين، وتكريس لنهج "المظلات السياسية" التي تهبط بالغرباء فوق رؤوس أبناء الملاك. علما انها ليست المرة الاولى التي تقوم بها الحكومة في خطوة مشابهة، بل هي الخطوة الاكثر فداحة، اذ ان من بين اربعة اشخاص تم تعيينهم في الجلسة الاخيرة لمجلس الوزراء، لم يوجد بينهم اي وافد من الادارة العامة، بل كلهم غرباء عنها.
تأتي التعيينات الإدارية الأخيرة لتؤكد أن النهج المحاصصاتي لا يزال هو الحاكم، بل وصل إلى مرحلة "الإعدام الوظيفي" لموظفي الملاك العام.
إن إقحام أسماء من خارج الملاك الإداري في وظائف الفئة الأولى، ليس مجرد إجراء إداري، بل هو انتهاك صارخ لفلسفة الوظيفة العامة في لبنان.
أولاً: خديعة "من داخل الملاك" والقفز فوق القانون - المخالفة الموصوفة
يسأل السائل: هل يجوز قانوناً اعتبار هؤلاء من أبناء "الملاك الإداري"؟ الإجابة القاطعة هي "لا".
إن الإدارة اللبنانية، وفقاً للمرسوم الاشتراعي رقم 112/1959 (نظام الموظفين)، تقوم على تراتبية هرمية تمنح الموظف الذي أفنى عمره في الخدمة العامة، الحق والتعويض المعنوي في الترقية.
إن استسهال الحكومات المتعاقبة، والحالية تحديداً، في استحضار "ملاك العسكر" أو "ملاك القضاء" أو حتى الكوادر من خارج القطاع العام لزرعهم في قمة الهرم الإداري، يضرب مبدأ "التخصصية الإدارية" ويحول الوزارات إلى ساحات لتجارب الوافدين الجدد.
كيف يمكن لحكومة تدّعي الإصلاح أن تبرر تعيين أفراد من خارج الملاك الإداري في أعلى هرم السلطة التنفيذية؟
تخايلوا مثلا ان تقوم الحكومة بتعيين رئيس مصلحة او مدير عام في احدى الوزارات قاضيا – رئيس غرفة في مجلس شورى الدولة او رئيسا لهذا المجلس، تحت حجة انجازاته الوظيفية،
تخايلوا مثلا ان تقوم السلطة بتعيين محام رئيسا لمحكمة الجنايات تحت حجة ان ذلك المحامي لم يخسر اي قضية وهو علامة في الفقه والقانون، وله مؤلفات في علم الاجرام.
تخايلوا ايضا، ان تقوم الحكومة بتعيين رئيس نادي رياضي او رئيس فرقة كشافة، عميدا في احد الوية الجيش اللبناني او قوى الامن الداخلي او رئيسا لدائرة الجوازات في الامن العام او رئس مكتب المكافحة في امن الدولة لما له من خبرات قيادية اكتسبها من جراء قيادته للفرقة الكشفية، او لاحرازه بطولة لبنان عندما قاد فريقه الرياضي.
إن تعيين، العميد مازن بصبوص مديراً عاماً للنقل البحري والبري، والقاضية هالة المولى مديرة عامة لوزارة الشؤون الاجتماعية، والدكتور وئام بوحمدان مديراً عاماً لوزارة الصحة وموريس قرقفي مديراً عاماً للمنشآت النفطية، لا يخرج عن المنطق المضحك اعلاه، وهو يمثل خرقاً فاضحاً لـ لمرسوم الاشتراعي رقم 112 تاريخ 12 حزيران 1959 (نظام الموظفين).
قانونياً: تنص المادة 11 من نظام الموظفين على أن التعيين في الفئة الأولى يتم "بالاختيار من بين موظفي الفئة الثانية". أما الاستثناء بالتعيين من الخارج، فقد وضع له المشترع ضوابط صارمة لا يجوز التوسع فيها (بنسبة لا تتجاوز الثلث)، ولكن ما يحدث اليوم هو جعل "الاستثناء" قاعدة لخدمة المحاصصة.
علمياً: كيف يمكن لقاضٍ أو عميد أو طبيب، مهما بلغت كفاءتهم في سلكهم، أن يمتلكوا الخبرة التراكمية في "أصول الإدارة العامة" التي يكتسبها موظف الملاك عبر عقود من التدرج؟
إن هذا النهج هو "إعدام وظيفي" لكل موظف كفؤ ينتظر حقه في الترقية.
ثانياً: أين مجلس الخدمة المدنية؟
هنا يطرح السؤال الجوهري: أين هو دور "مجلس الخدمة المدنية" الذي يُفترض أن يكون الحارس الأمين لكيان الإدارة؟
أين هو "حارس الهيكل"؟ اين هو في الحفاظ على حقوق الموظفين؟
إن تغييب دور المجلس وتحويله إلى مكتب لتسجيل قرارات السلطة، هو اغتيال للمبدأ الذي أُنشئ لأجله في المرسوم الاشتراعي رقم 114/1959.
إن الحكومات التي تعتمد على "ملاك العسكر" و"ملاك القضاء" لملء شواغر الإدارة العامة، إنما تعترف ضمناً بفشلها في بناء إدارة مدنية مستقلة، وتؤكد أنها لا تثق إلا بـ "الولاءات" لا "الكفاءات".
إن المادة 12 من قانون الموظفين تشترط معايير صارمة للتعيين، لكن ما نراه اليوم هو تهميش كامل لدور المجلس، وتحويله إلى "شاهد زور" على قرارات سياسية تُطبخ في الكواليس.
حين يتم تجاهل الكفاءات الموجودة داخل الإدارة، والتي تمتلك الخبرة التراكمية، يُحكم على الإدارة العامة بالجمود والفشل، لأن "الوافد من الخارج" سيحتاج لسنوات ليفهم آليات العمل التي يتقنها ابن الملاك بالفطرة والممارسة.
إن التجارب الماضبة في ايلاء المراكز الادارية العليا الى القضاة والعسكريين (محافظبن ومدراء عامين)، لم تأتي بأي نتائج ملموسة على مستوى الادارة الرشيدة والحوكمة، بل كانت من اسوأ التجارب في علم الادارة، اسألوا الموظفين في تلك الادارات والمحافظات، اسألوا المواطنين الذين تعاملوا مع تلك الادارات والمحافظات، اسألوا الاجهزة الامنية – امن الدولة، اسألوا جماعة من اين لك هذا... اسألوا الله والرسل والانبياء، اسألوا من تريدون، فلماذا الاصرار على اتباع نفس الخطوات؟
ثالثاً: الهيئات الناظمة - مزارع حزبية برواتب خيالية - مخالفة نصوص الدستور والقانون.
إذا كانت التعيينات الإدارية "فضيحة"، فإن التعيينات في الهيئات الناظمة (كالكهرباء والاتصالات والطيران المدني و....) هي "الجريمة الكبرى".
لقد تحولت هذه الهيئات، التي يُفترض أن تكون مستقلة وتقنية، إلى "جوائز ترضية" سياسية. فبدلاً من تطبيق القانون رقم 462/2002 (قطاع الكهرباء) و القانون رقم 431/2002 (قطاع الاتصالات) بروحية الإصلاح، نرى تعيينات تخضع لمنطق التوزيع الطائفي الحزبي المقيت، وتتجاهل أصحاب الاختصاص الحقيقيين لصالح "المنتدبين من الخارج".
والأنكى من ذلك، أن هذه الهيئات التي استُقدمت أكثريتها الساحقة من خارج الملاك، تتقاضى رواتب خيالية (تصل لآلاف الدولارات للرئيس والأعضاء) في حين يعجز موظف الإدارة العامة "الأصيل" عن تأمين ثمن وقود وصوله إلى وظيفته. إنها إدارة "النخبة المستوردة" على أنقاض "الإدارة الوطنية".
هذه التعيينات، وما سبقها في الهيئات الناظمة التي شُكلت غالبيتها من خارج الملاك، تناقض روح الدستور اللبناني وتحديداً المادة 12 منه التي تنص على أن "لكل لبناني الحق في الوظائف العامة على أساس الكفاءة والاستحقاق".
قانونياً: القاعدة هي الترفيع من الملاك الاداري العام، والاستثناء هو التعيين من الخارج بنسبة لا تتجاوز الثلث. لكن في لبنان، أصبح الاستثناء هو القاعدة، مما خلق حالة من "اليأس الإداري".
علمياً: علم الإدارة الحديث يؤكد أن ضرب "نظام الحوافز والترقية" يؤدي حتماً إلى انهيار الإنتاجية. فبأي دافع سيعمل موظف الفئة الثانية أو الثالثة إذا علم أن "سقف طموحه" محجوز سلفاً لضابط أو قاضٍ أو مقرب سياسي؟
رابعاً: عسكرة الإدارة وقضائها.. الهروب إلى الأمام
إن اعتماد الحكومة على ملاك العسكر والقضاء لملء المراكز الإدارية الشاغرة هو اعتراف صريح بفشلها في إدارة الموارد البشرية للدولة. هذا النهج لا ينتج إدارة منتجة، بل ينتج إدارة "مأمورة" تفتقر إلى روح المبادرة الإدارية المستقلة. إن الإدارة العامة ليست ثكنة عسكرية ولا قوس محكمة؛ هي علم، وتخطيط، وتنفيذ يتطلب "موظفاً إدارياً" صرفاً.
في النهاية، لا أمل في إدارة "مغتصبة"
لا يمكن الوصول إلى إدارة عامة منتجة طالما أن نظام الحوافز والترقية مسروق.
طالما أن الحكومة تستمر في استباحة نظام الموظفين وخرق القوانين المرعية الإجراء، فلا أمل في الوصول إلى إدارة عامة منتجة أو إصلاح حقيقي.
إن استبعاد أبناء الملاك الاداري العام هو رسالة تدميرية لكل كفاءة داخل الدولة، ودعوة صريحة للفساد أو الاستقالة.
الحكومة مطالبة بالعودة عن هذا النهج، والالتزام بالنص القانوني، وان اي محاولة للقول بان الذين تأتي بهم من خارج ملاك الادارة العامة (قضاة وعسكر) هم من الادارة العامة قول مردود وسخيف، ولا يستند الى اي مبدأ قانوني او اداري.
ان العودة الى نص القانون يكفل تكافؤ الفرص، وإن استمرار التعيينات من خارج الملاك هو بمثابة "وضع اليد" على الإدارة، وتحويل الوزارات إلى إقطاعيات لمن لا يملكون في فقه الإدارة سوى "صك الولاء" لمن عينهم.
كفى عبثاً بكيان الدولة الإداري؛ أعيدوا الاعتبار للادارة العامة، اصلحوا مجلس الخدمة المدنية، وأوقفوا "الإنزال الجوي" للأسماء فوق كراسي الإدارة، اكتشفوا الكفاءات الموجودة في الادارة العامة، فمن حق موظف الملاك أن يرى ثمار عمره في ترقية مستحقة، لا أن يراها تُمنح لوافدٍ لم يذق مرارة العمل الإداري يوماً.
باختصار، اوقفوا اغتصاب الادارة.
أخبار البلد
