بقلم المحامي فؤاد الأسمر
مع اعادة تحريك مشروع قانون العفو العام أمام مجلس النواب اللبناني، لا بد من التوقف عند معاني هذا المشروع وغاياته. فالجريمة، أصلاً، هي اعتداء على أمن المجتمع، وان العفو هو الصفح والسكوت عن الانتهاكات التي تشكلها الجرائم، وتشجيعاً لها.
فالعفو، بشكل عام، ينسف أسس عديدة أهمها موجب احترام سلطة الدولة والقانون، كما يناقض مبادئ العدالة والمساواة، فكيف يصحّ معاقبة فئة من المجرمين لاسيما الصغار منهم، فيما كبار المجرمين، الذين لم يحترموا لا الدولة ولا القانون ولم يقيموا لهما أي وزن، يُكافأون بالعفو؟!
من هنا نبذت غالبية دول العالم المتحضر مفهوم العفو العام، في حين انه محصور، عادة، بالدول التي تشهد الانقلابات والحروب، فتأتي قوانين العفو ضمن اطار إغلاق مرحلة الحرب وظلم الأنظمة السابقة، وفتح صفحة المصالحة.
أما لجهة المبررات المزعومة للعفو في لبنان، بما فيها الواقع الإنساني للمساجين واكتظاظ السجون وحالتها المزرية، وإطالة أمد المحاكمات، وسواها من ذرائع، فإن العفو ليس الحلّ الأمثل لها، بل يقتضي تطبيق سياسة تشريعية وقضائية عادلة ومتزنة، تفرض تسريع المحاكمات والبت بالملفات، زيادة عدد القضاة، تطوير السجون، تنظيم ومكننة الادارة القضائية، اعتماد مقاربة إنسانية وقانونية عادلة للأحكام قوامها ترشيد العقوبات، وإصلاح المجرمين، وانقاذ الأبرياء، وترحيل المجرمين الأجانب.
في الواقع، ان العفو المطروح اليوم ليس الا بازاراً سياسياً تعتمده القوى والكتل النيابية ضمن نهج الزبائنية والمحميات، حيث توفر القوى السياسية لكبار المجرمين التغطية والعفو، بالمقابل تقبض هذه القوى الثمن غالياً، وكل ذلك على حساب هيبة وكرامة وأمن الدولة والمجتمع.
فإلى متى سيبقى "حيط الدولة واطي" بيد الطبقة المافيوقراطية الحاكمة؟
