بين رأس البياضة- شمع، ورأس الناقورة، عند آخر نقطة من الحدود اللبنانية الفلسطينية، تجتمع في بقعة جغرافية متداخلة بمحاذاة البحر، معالم أثرية قل نظيرها، تعود إلى حقبات تاريخية، يلامس بعضها الألف عام.
وإلى جانب هذه المعالم، التي تؤرخ لمحطات من عمر لبنان، كان يسكن أبناء بلدتي الناقورة وشمع، اللتين لم يبق من ساكنيهما فرد واحد، باستثناء جنود أمميين البشرتين البيضاء والسمراء، يشدون الرحال أيضاً، مطلع العام المقبل.
مشاريع سياحية
بيوت البلدتين وآثارهما ودرة الأماكن السياحية العابرة للمناطق، صارت جميعها بلا روح وبلا جسد، بعدما عملت بكل صلافة، طائرات الاحتلال وجرافاته الضخمة، على اقتلاع أعمدتها وأسقفها، وحجارة دهرية بقيت تعاند مئات السنين والاحتلالات والغزوات.
بعد التحرير في شهر أيار من عام 2000، نشأت في تلك المنطقة سلسلة من المشاريع السياحية على كتف أنظف وأنقى بقعة من بحر لبنان، نافست أهم الأماكن السياحية، لتصل شهرتها إلى العالمية، نظراً لموقعها الخلاب، خصوصاً رأس البياضة، التي تتبع إدارياً إلى بلدة شمع. وهي البلدة التي طالما تغنت بقلعتها المبنية عام 1116 ومقام النبي شمعون الصفا، الذي كان يرتفع عند طرفها الغربي.
الدمار الكامل، الذي حل بقلعة شمع، إحدى قلاع الجنوب المتماهية مع الشقيف وتبنين، لم يحصل منذ إنشائها على يد الصليبيين. كما أن الأوتيلات الحديثة والمطاعم التي تفنن أصحابها بشكلها الهندسي (السفينة) ابتلعت جميعها عن وجه الأرض وكأنها لم تنشأ من قبل.
وحده نفق سكة الحديد، الذي يلاطمه موج البحر، ما زال عبر تدوينة محفورة على عتبته، يؤرخ لمرحلة ذهبية من العلاقات اللبنانية الفلسطينية، قبل النكبة.
تمتد بلدة الناقورة، الواسعة الانتشار، من اللبونة على حدود قرية البصة الفلسطينية، حتى مشارف البلوكات النفطية، وواديا حامول، على مقربة من مدينة أم العمد الأثرية، ومرفأ الصيادين والكهوف البحرية، ومنطقة إسكندرونا. ولم يتبق من مساكن الناقورة الـ 850، ومؤسساتها، سوى منازل لا تتعدى أصابع اليد الواحدة.
الناقورة درة المتوسط
يشتق اسم الناقورة من "نقر" الجبال والانفاق. وخلال عدوان 2023- 2024، سجل تدمير عدد قليل من منازل الناقورة. لكن إبان فترة هدنة الستين يوماً، قام جيش الاحتلال بتدمير وتفجير وتجريف، حوالي 95 بالمئة من بيوت البلدة، وفق ما أكد رئيس البلدية المهندس إبراهيم حمزة لـ"المدن".
وأضاف أن جيش الاحتلال استكمل بعد الثاني من آذار 2026، نهش ما تبقى من منازل ومحال وفنادق ومطاعم، ومنها أربعين منزلاً أعاد أصحابها إعادة بنائها وترميمها، ظناً منهم بأن عصر التدمير الإسرائيلي قد توقف.
ويقول حمزة، إن الناقورة كانت قبلة للسياحة والزيارات وصيد الأسماك والغطس ومقراً لاجتماعات لجنة الميكانيزم. ويقيم على أرضها آلاف جنود اليونيفيل من 37 دولة، ساهموا في مشاريع تنموية في بلدتنا التي يبلغ عدد سكانها نحو 4500 نسمة، وآخر هذه المساهمات أعمال فتح الطرقات وتأهيل الأرصفة بعد عدوان 2023- 2024.
وأكد حمزة أن الناقورة التي شهدت أرضها توقيع اتفاقية الهدنة وترسيم الحدود البحرية والبرية، سيعود إليها أبناؤها، ويعيدون بناءها بعزيمتهم المعتادة.
سنعيده أجمل مما كان
بعد جرف الأوتيل الذي يملكه على مدخل منطقة اللبونة في الناقورة، وكان من أوائل الاوتيلات التي أنشئت بعد التحرير، قال صاحبه الطبيب محمد هاشم لـ"المدن": "طلبت من ابنتي، وهي مهندسة معمارية، البدء برسم خريطة بمواصفات جديدة للأوتيل لإعادته أجمل مما كان بعد العودة إلى الناقورة منتصرين بهمة وسواعد شبابنا الأبطال. فنحن أهل هذه الأرض وحراسها. ونحن من نبنيها ويحميها".
شمع - البياضة: القلعة والمقام والسياحة
تُرصد من بلدة شمع، التي يعتقد أن اسمها تيمناً بالنبي شمعون الصفا، ساحل صور، من تل رأس البياضة، ومن على قلعتها التاريخية، التي أصبحت كومة من الحجارة بعد جرفها ثم قصفها.
تميزت شمع - البياضة، بافتتاح أوائل المشاريع السياحية، في المناطق المحررة بعد عام 2000، حيث ساعدها في ذلك موقعها الاستراتيجي ومجاورتها للبحر الذي يعانق تلالها.
تعتبر بلدة شمع من البلدات الصغيرة في قضاء صور، وتتخذ منها قوات اليونيفيل مقراً عاماً لقيادة القطاع الغربي، برئاسة القوة الإيطالية.
استكمل جيش الاحتلال الإسرائيلي، إبان الحرب الدائرة منذ اوائل آذار المنصرم، تدمير بيوتها الـ250، من ضمنها أجمل المطاعم والمتنزهات عند مطل رأس البياضة، وقلعة شمع الأثرية، ومقام شمعون الصفا، فيما أبقى على عدد قليل من المنازل في المنطقة لاحتماء جنوده وآلياته من استهداف صواريخ ومحلقات المقاومة.
انتهاك للقوانين الدولية
في أعقاب عدوان 2024، لم يستمهل أهالي شمع المتعلقين بمقامها الروحي والديني، مشاريع الإعمار. فبادر عدد من أبنائها بالتنسيق مع المديرية العامة للآثار إلى ترميم وتأهيل مئذنة المقام، وأيضاً ترميم حسينية البلدة بسواعد وتمويل أبنائها المقيمين والمغتربين.
أمام هذه النكبة، التي تشبه نكبات عشرات البلدات، لا يملك الأهالي النازحون في بقاع لبنان وخارجه، سوى إدانات لما اقترفه العدو وتصميمهم العودة إلى بلدتهم. ويقول مختار شمع محمود فياض: "ندين كل هذه الأعمال العدوانية، التي تمثلت بتدمير وجرف المنازل وقلعتنا التاريخية ومقام النبي شمعون الصفا، الذي كان مزاراً وحجاً للتبرك".
وأضاف: "لم يسلم من هذه الاعتداءات السافرة، ألواح الطاقة الشمسية المخصّصة لتشغيل مضخّات مياه البئر الارتوازي، والتي جرى تركيبها حديثا بعد العدوان السابق، بتمويل من الكتيبة الإيطالية العاملة ضمن قوات الطوارئ الدولية، لما تمثَّله من شريان حيوي يؤمّن المياه لأهالي البلدة.
واعتبر أن ما يجري بحق بلدة شمع وأهلها، يشكّل انتهاكًا فاضحًا لكل القوانين والأعراف الدولية، واستهدافاً مباشرًا للمدنيين، وللإرث الديني والثقافي، ولحق الناس في السكن والأمان والاستقرار.
السفينة المطعم
إلى جانب القلعة والمقام التاريخيين والأثريين في بلدة شمع، ارتفع في عام 2016، منتجع سياحي مميز على إحدى تلال البياضة المشرفة على ساحلي صور وفلسطين.
واختار صاحب المشروع المرحوم مصطفى عليان والمستثمر آنذاك، تصميماً فريداً من نوعه في لبنان، موجوداً على اليابسة، وهو مطعم على شكل سفينة، زادت مساحته على الالف ومئتي متر مربع.
وكما غيره من المؤسسات، التي حملت التميز والجذب السياحي، فإن هذا المشروع، جرى تفجيره من جانب قوات الاحتلال.
ويقول صاحب " السفينة " غسان عليان إن المرحوم والده صمم المطعم بالتعاون مع المستثمر، ولم يحتج إلى مهندس أو غيره.
وأضاف أن مطعمه كان معلماً سياحياً وثقافياً، لما يعنيه من تواصل الماضي مع الحاضر، وخصوصاً من ناحية ارتباط المنطقة بالحقبة الفينيقية، مؤكداً أن تفجير المؤسسة لن يزيده إلا تصميماً على التشبث بأرضه، حيث تبذل الدماء لاستعادتها.

