باسل عيد | بالعربي
هل هي أزمة ثقة أم أزمة انتماء إلى الوطن تصيب جزءا من اللبنانيين؟
منذ تأسيس دولة لبنان الكبير في العام 1920، مرورا بإعلان الاستقلال سنة 1943، وصولا إلى الزمن الراهن، تنامى لدى بعض الفئات اللبنانية شعور بعدم الانتماء الكامل إلى هذا الوطن، وبقيت الولاءات العابرة للحدود تختلج في نفوس هؤلاء، بين ما هو معلن وما هو مضمر.
وقد رد أصحاب هذا التوجه الأمر، وفق مفاهيمهم، إلى أسباب عدة، منها الشعور بالغبن والتمييز بين شرائح المجتمع اللبناني، أو غياب الإحساس بالأمان والاستقرار الكامل، وربما شعور بعضهم بأن الهوية اللبنانية فرضت عليهم خلافا لما كانوا يتطلعون إليه أو يعتبرونه امتدادا طبيعيا لهم. إلا أن العامل العقائدي، بشقيه السياسي والأيديولوجي، بقي المحفز الأكبر لدى هذه الشريحة للنظر إلى لبنان باعتباره مسكنا أكثر منه وطنا نهائيا.
ومع مرور الزمن، تعددت أشكال الولاءات خارج الحدود اللبنانية. فمنهم من نادى بالوحدة العربية واعتبرها الهوية الأوسع والأجدر بالانتماء، ومنهم من رأى في زعامات غير لبنانية، كجمال عبد الناصر وياسر عرفات، إضافة إلى شخصيات وزعماء آخرين، المرجعية السياسية والنموذج الذي يحتذى. وقد بلغ هذا الانقسام ذروته خلال مراحل مفصلية من تاريخ لبنان، حين تحول الصراع السياسي إلى مواجهة داخلية مسلحة بين فريق رفض خضوع القرار اللبناني للتأثيرات الخارجية، وفريق آخر رأى في تلك المرجعيات امتدادا لقضيته السياسية أو العقائدية.
أما على المستوى العقائدي، فقد برز هذا الارتباط بالخارج بصورة أوضح وأكثر مباشرة في نماذج معاصرة. فبعد سقوط نظام بشار الأسد وولادة الإدارة السورية الجديدة، ظهرت دعوات في بعض مناطق الشمال اللبناني، بعضها صدر عن رجال دين وشخصيات محلية، تدعو إلى الالتحاق بسوريا أو تبدي رغبة في الاندماج معها، انطلاقا من اعتبارات سياسية وعقائدية واجتماعية.
وفي المقابل، تعد العلاقة العضوية التي تربط حزب الله بإيران المثال الأبرز على الارتباط الخارجي داخل الساحة اللبنانية. فالحزب لا يخفي انتماءه العقائدي والسياسي إلى مبدأ "ولاية الفقيه"، كما أن قراراته المصيرية، سواء في السياسة أو الأمن أو الحرب، ترتبط إلى حد كبير بالتوجهات الإيرانية الإقليمية. وقد دفع ذلك شريحة واسعة من اللبنانيين إلى اعتبار أن الحزب يأتمر فعليا بقرار خارجي يتقدم، في كثير من الأحيان، على اعتبارات الدولة اللبنانية ومؤسساتها، ما عزز الانقسام الداخلي حول مفهوم السيادة والانتماء الوطني.
إشكالية الانتماء وتكوين الهوية الوطنية اللبنانية
في قراءة تحليلية موسعة لتلك الإشكالية التي لطالما رافقت نشأة الدولة اللبنانية وتطور أزماتها السياسية والعقائدية، أشار رئيس تحرير موقع أخبار البلد الصحافي سيمون سمعان إلى أن مفهوم الانتماء الوطني بالشكل الذي نعرفه اليوم هو مفهوم حديث نسبيا، ارتبط بتأسيس دولة لبنان الكبير في العام 1920 بعد انهيار الدولة العثمانية وما رافقه من تحولات سياسية كبرى في المشرق العربي، موضحا أن الجماعات التي كانت تعيش على الأراضي اللبنانية قبل نشوء الدولة لم تكن تمتلك بالضرورة شعورا موحدا بالانتماء إلى كيان سياسي واحد، إذ لم تكن هناك حدود دولة معترف بها دوليا بالشكل الحالي، بل كانت هناك كيانات إدارية مثل المتصرفية وبعض التقسيمات المحلية المحدودة التي حكمت العلاقة بين السكان والأرض.
ولفت عَبرَ مِنصة "بالعربي" إلى أن طبيعة الانتماء في تلك المرحلة كانت مختلفة جذريا عما هي عليه اليوم، إذ انقسمت الروابط بين السكان بين انتماءات دينية أو طائفية أو إثنية، إضافة إلى انتماءات مرتبطة بالحماية السياسية التي كانت توفرها قوى إقليمية كالدولة العثمانية أو غيرها من القوى الإقليمية في شرق المتوسط، بما في ذلك مصر وتركيا، وأحيانا قوى محلية نافذة في الجبل والساحل. وبحسب سمعان، فإن هذا التنوع في الانتماءات التاريخية انتقل جزئيا إلى مرحلة تكوين الدولة اللبنانية الحديثة، ما جعل عملية بناء الهوية الوطنية اللبنانية أكثر تعقيدا مما كان متوقعا، خصوصا وأن الدولة الوليدة لم تنجح بشكل كامل في صياغة شعور جامع بالانتماء لدى كل مكوناتها منذ البداية.
وقال إن المطلوب بعد إعلان دولة لبنان الكبير كان العمل على بناء دولة مواطنة حقيقية يشعر فيها جميع السكان بأنهم جزء من كيان سياسي واجتماعي موحد، ويتمتعون بحقوق متساوية ويؤدون واجباتهم ضمن إطار الدولة، بعيدا عن أي تمييز أو تفضيل مناطقي أو طائفي.
غير أن سمعان أشار إلى أن هذا المسار لم يكتمل بالشكل المطلوب في عدد من المراحل التاريخية اللاحقة، حيث سادت مقاربات سياسية قائمة على المحاصصة والولاءات الطائفية، ما أدى إلى تركيز التنمية والخدمات في العاصمة بيروت ومحيطها، مقابل تراجع واضح في الأطراف والمناطق البعيدة.
ورأى أن هذا التفاوت في التنمية أسهم في خلق شعور متراكم بالحرمان لدى بعض الجماعات، ما دفع بعضها إلى التمسك بانتماءات خارج الحدود، سواء نحو سوريا أو تركيا أو مصر أو غيرها من المرجعيات الإقليمية من بينها إيران، في ظل غياب دولة عادلة وشاملة قادرة على احتضان الجميع، معتبرا أن جزءا من المشكلة يرتبط أيضا بثقافة سياسية سائدة لدى النخب الحاكمة، تقوم على منطق "ماذا تأخذ من الدولة" بدلا من "ماذا تقدم للدولة"، ما أدى إلى إضعاف مفهوم المواطنة وتعزيز الانقسامات الداخلية وتكريس الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة.
وفي هذا السياق، شدد سمعان على أن بناء الدولة يتطلب إعادة إنتاج مفهوم الانتماء على أسس وطنية جامعة، بحيث يشعر كل فرد أنه شريك فعلي في الدولة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، وليس مجرد تابع لطائفة أو جهة سياسية أو منطقة جغرافية.
الانتماء السني بين مرحلة جمال عبد الناصر ومرحلة رفيق الحريري
وتحدث عن تطور مفهوم الانتماء لدى الجماعة السنية في لبنان عبر مراحل تاريخية متتابعة، موضحا أن هذا الانتماء لم يكن ثابتا بل تأثر بالتحولات السياسية الإقليمية والداخلية، مشيرا إلى أنه في مرحلة حكم جمال عبد الناصر، برز لدى شريحة من السنة في لبنان ميل واضح نحو العروبة، حيث اعتبروا أن عبد الناصر يمثل قائدا عربيا ذا حضور وكاريزما سياسية كبيرة، وأنه قادر على تجسيد مشروع عربي أوسع يتجاوز حدود الدولة اللبنانية. وفي تلك المرحلة، ارتبطت تطلعات جزء من هذه الجماعة بفكرة قيام كيان عربي موحد أو أوسع من الكيانات القائمة، خصوصا في ظل شعور بعدم الاكتمال داخل الصيغة السياسية اللبنانية الناشئة.
وأوضح سمعان أن هذا التوجه جعل بعض السنة ينظرون إلى الدولة اللبنانية التي تشكلت في العام 1920 ثم ترسخت لاحقا في العام 1943 على أنها صيغة لم تحقق لهم تمثيلا سياسيا كاملا، وأن صيغة التوازن التي قامت بين الرئيس بشارة الخوري والرئيس رياض الصلح لم تكن مقنعة لكثيرين منهم، ما أبقى فكرة الانتماء إلى مشروع عربي أكبر حاضرة بقوة.
ثم انتقل إلى مرحلة لاحقة مع دخول الرئيس رفيق الحريري إلى الحياة السياسية اللبنانية، حيث رأى أن هذه المرحلة شكلت نقطة تحول أساسية داخل الشارع السني، إذ ساهمت في تعزيز الاندماج في الدولة اللبنانية وترسيخ فكرة الانتماء الوطني داخل مؤسساتها، مشيرا إلى أن شعار "لبنان أولا" لم يكن مجرد شعار إعلامي أو سياسي، بل تحول تدريجيا إلى مشروع سياسي واجتماعي رسخ فكرة الدولة داخل البيئة السنية، وقلل من النزعة إلى البحث عن امتدادات خارج الحدود أو مشاريع سياسية بديلة.
وقال سمعان إن هذا التحول أدى إلى تراجع كبير في الخطابات التي كانت تدعو إلى الالتحاق بسوريا أو الانخراط في كيانات سياسية أوسع، إلا أن بعض الأصوات بقيت موجودة، خصوصا لدى بعض المشايخ أو التيارات السلفية والأصولية في مناطق محددة، معتبرا أن هذه الأصوات، وإن كانت محدودة، لا تزال ترى أن الانتماء الديني أو الطائفي أقوى من الانتماء الوطني، وبالتالي تطرح مرجعيات خارج الدولة اللبنانية، إلا أن تأثيرها بقي ضعيفا مقارنة بالمسار العام الذي تعزز بعد مرحلة رفيق الحريري.
سلاح حزب الله بين العقيدة والدولة
وانتقل إلى ملف سلاح حزب الله، واصفا إياه بأنه من أكثر الملفات تعقيدا في لبنان، لأنه لا يرتبط فقط بالبعدين الأمني والسياسي، بل يتصل أيضا ببنية فكرية وعقائدية متجذرة داخل الحزب وبيئته، طارحا سؤالا محوريا حول إمكان أن يستمر حزب الله كحزب سياسي من دون سلاح. واعتبر أن الإجابة عن هذا السؤال تشكل المدخل الأساسي لفهم مستقبل هذا الملف.
وأوضح سمعان أن السلاح في حالة حزب الله ليس مجرد وسيلة عسكرية، بل هو جزء من هوية الحزب العقائدية، إذ نشأ الحزب على فكرة "المقاومة"، وعلى اعتبار أن السلاح هو الأداة الأساسية لحماية هذه العقيدة وتنفيذ مشروعها السياسي والدينيظن مشيرا إلى أن هذا السلاح ارتبط تاريخيا بفكرة حماية الطائفة الشيعية والدفاع عنها، إضافة إلى دور يتجاوز حدود الدولة اللبنانية، ما جعله جزءا بنيويا من تكوين الحزب وليس مجرد أداة قابلة للفصل بسهولة.
وفي المقابل، لفت إلى أن داخل البيئة الشيعية بدأت تظهر أصوات تتساءل عن جدوى استمرار هذا السلاح، خصوصا في ظل التحولات الإقليمية، وفي ظل التساؤلات حول قدرة الدولة اللبنانية والجيش اللبناني على توفير الحماية لجميع المواطنين. لكن على الرغم من ذلك، هناك شريحة واسعة لا تزال تعتبر أن السلاح يشكل ضمانة أساسية، سواء للحماية أو للدور الذي يقوم به الحزب، وأن التخلي عنه يثير مخاوف كبيرة داخل هذه البيئة.
كما أوضح سمعان أن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في الجانب العسكري، بل في البنية الفكرية والأيديولوجية التي تشكلت عبر سنوات طويلة، والتي تقوم على فكرة "الأدلجة" المرتبطة بالمقاومة والدور الإقليمي.
وبيّن أن الحزب لا يمكن النظر إليه ككيان منقسم بين جناح عسكري وآخر سياسي، بل هو تنظيم واحد متكامل تتحرك كل مكوناته السياسية والأمنية والاجتماعية ضمن رؤية واحدة تعتبر السلاح جزءا أساسيا من تنفيذ مشروعه، مشيرا إلى أن فكرة تسليم السلاح لا تعني تلقائيا تحول الحزب إلى حزب سياسي تقليدي، لأن شروط العمل الحزبي السياسي بالشكل المعروف لا تنطبق بالكامل على بنيته الحالية.
نحو إعادة صياغة الانتماء الوطني
وشدد سمعان على أن الأزمة اللبنانية ليست فقط أزمة سلاح أو نظام سياسي، بل هي في جوهرها أزمة انتماء ووعي وطني وتوازنات داخلية غير مكتملة، موضحا أن لبنان لا يمكن أن يستقر أو ينهض إلا عبر إعادة بناء مفهوم المواطنة على أسس حديثة، بحيث يصبح الانتماء للدولة هو الانتماء الأول والأخير، بعيدا عن أي مرجعيات خارجية أو اصطفافات ضيقة أو ولاءات متقاطعة.
كما دعا إلى تعزيز النقاط المشتركة بين اللبنانيين، باعتبارها الأساس لأي مشروع وطني ناجح، مشيرا إلى أن اللبنانيين، على الرغم من انتشارهم الواسع في دول العالم، لا يزالون بحاجة إلى ترسيخ ارتباطهم بوطنهم الأم وتحصين هذا الارتباط من التآكل.
وشدد سمعان على أن الانتماء ليس مجرد شعار سياسي أو خطاب إعلامي، بل هو قيمة أساسية وسلوك يومي يتطلب عملا مستمرا من الدولة والمجتمع على حد سواء، من أجل بناء دولة قادرة على استيعاب جميع أبنائها تحت سقف واحد هو لبنان، وعلى قاعدة الشراكة والمساواة والعدالة.
وفي ضوء ما تقدم، يبقى السؤال مطروحا: هل ما يعانيه جزء من اللبنانيين هو أزمة ثقة بدولتهم ونظامها السياسي، أم أزمة انتماء أعمق إلى الكيان اللبناني نفسه؟ وبين هذا وذاك، يبدو لبنان، منذ نشأته وحتى اليوم، ساحة مفتوحة لصراع الهويات والانتماءات، في ظل عجز الدولة عن بناء مفهوم وطني جامع يشعر فيه جميع أبنائها بأنهم شركاء متساوون في وطن واحد.
