خاص

خاص: جوزاف أمين - من الطائف إلى السلام، ضرورة إعادة بناء الجمهورية



بقلم جوزاف أمين

إن أي مسار تفاوضي مباشر بين لبنان واسرائيل، وصولًا إلى معاهدة سلام، لا يجوز النظر إليه بوصفه مجرد خطوة سياسية عابرة أو إجراء دبلوماسي محدود، بل باعتباره لحظة مفصلية تعيد طرح السؤال الجوهري حول حقيقة الدولة اللبنانية نفسها، من يملك القرار السيادي؟ ومن يقرر الحرب والسلم؟ وهل المرجعية العليا في البلاد هي الدستور والمؤسسات الشرعية، أم موازين القوى المسلحة والانتماءات الخارجية؟
إن الدستور اللبناني، سواء في نصوصه الصريحة أو في روحيته العامة التي تكرست بعد اتفاق الطائف، يقوم على مبدأ واضح لا يقبل التأويل، وهو أن الدولة وحدها، عبر مؤسساتها الدستورية الشرعية، تمتلك حق تمثيل البلاد في العلاقات الخارجية، وحق التفاوض، وحق إبرام المعاهدات، وحق اتخاذ قرار الحرب أو السلم. غير أن الواقع السياسي الذي فرض نفسه على لبنان خلال العقود الأخيرة أدى إلى نشوء ازدواجية خطيرة في البنية السيادية للدولة، حيث ظهرت قوة عسكرية، أمنية وعقائدية خارج إطار الشرعية الفعلية، تمتلك قرارًا مستقلًا يتجاوز المؤسسات الدستورية، وترتبط بمشروع إقليمي عابر للحدود، الأمر الذي جعل القرار اللبناني في كثير من الأحيان رهينة حسابات لا تعبّر عن المصلحة الوطنية اللبنانية العليا.
من الناحية الدستورية والقانونية، فإن وجود أي تنظيم مسلح خارج إطار الجيش اللبناني والقوى الشرعية يشكل انتقاصًا مباشرًا من سيادة الدولة ووحدة سلطتها، لأن مبدأ السيادة لا يتجزأ، ولا يمكن لدولة أن تكون ذات سيادة فيما قرار الحرب والسلم فيها موزع بين السلطة الشرعية وبين قوة حزبية مرتبطة بالخارج. فالدولة التي لا تحتكر السلاح لا تستطيع أن تحتكر القرار، والدولة التي لا تحتكر القرار لا تستطيع أن تمارس سيادتها الكاملة أمام المجتمع الدولي.
لقد أثبتت الوقائع السياسية والعسكرية أن ما سُمّي "مقاومة" لم يعد ضمن مفهوم الدفاع الوطني المرتبط بحماية الحدود اللبنانية، بل تحول تدريجيًا إلى جهاز عسكري – أمني – عقائدي مرتبط بالحرس الثوري الإيراني، يعمل ضمن مشروع إقليمي يتجاوز لبنان جغرافيًا وسياسيًا وعقائديًا. وهذا التحول لم يؤد فقط إلى إضعاف مؤسسات الدولة، بل أدخل لبنان في صراعات ومحاور وحروب لم تكن نابعة دائمًا من قراره الوطني الحر، ما انعكس عزلة سياسية واقتصادية وديبلوماسية متزايدة على الدولة اللبناني. في المقابل لا بد من التذكير بأن لبنان بعد اتفاق الطائف ليس كيانًا خارج المنظومة العربية بل هو عضو مؤسس في جامعة الدول العربية وقد شارك تاريخيًا في صناعة المواقف العربية الكبرى. فإن النقاش حول السلام أو المفاوضات لا يمكن عزله عن مقررات القمم العربية ولا سيما المبادرة العربية التي أقرت في اجتماع بيروت العام 2002.
والتي كرست بصورة واضحة مبدأ الأرض مقابل السلام كأساس لأي تسوية عربية – إسرائيلية شاملة
وعليه، فإن مجرد القبول بمبدأ التفاوض المباشر لا يمكن اعتباره خروجًا عن الإجماع العربي أو انقلابًا على الشرعية العربية، لأن هذه الشرعية نفسها أقرت مبدأ التسوية السياسية المشروطة باستعادة الحقوق والسيادة. وبالتالي فإن تصوير أي تفاوض مباشر وكأنه خيانة مطلقة أو سقوط وطني يتناقض مع الوقائع السياسية والقانونية التي أقرتها الدول العربية مجتمعة، ومن بينها لبنان نفسه.
غير أن الإشكالية الدستورية الأخطر تظهر في مسألة "العيش المشترك"، وهو المبدأ الذي نصت عليه مقدمة الدستور اللبناني عندما اعتبرت أن "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك". وهنا تبرز المعضلة الكبرى، كيف يمكن للدولة أن تتخذ قرارًا سياديًا مصيريًا إذا كانت طائفة كاملة، ممثلة بأحزابها ونوابها، ترفض أصل المفاوضات المباشرة؟ وهل يتحول مفهوم العيش المشترك إلى حق دائم في تعطيل الدولة ومصادرة قرارها السيادي؟
إن القراءة السليمة لهذا المبدأ تفترض التمييز بين ضمان المشاركة الوطنية وبين منح أي مكون طائفي حق النقض المطلق على القرارات السيادية. فالعيش المشترك وُجد لحماية الشراكة الوطنية ومنع الاستئثار، لا لتحويل الدولة إلى كيان مشلول غير قادر على اتخاذ أي قرار تاريخي إلا بإجماع مستحيل. لأن منطق الإجماع الدائم يؤدي عمليًا إلى سقوط الدولة نفسها، ويجعل المؤسسات الدستورية مجرد هياكل شكلية عاجزة عن ممارسة وظائفها الطبيعية.
فإذا أصبح أي قرار سيادي مرهونًا بموافقة جميع الطوائف السياسية بصورة مطلقة، فإن مفهوم الدولة الدستورية يسقط تلقائيًا، لتحل مكانه صيغة اتحادات طائفية متنازعة، حيث يصبح السلاح أو النفوذ الخارجي أو القدرة على التعطيل أقوى من الدستور نفسه. ومن هنا، فإن أي مسار تفاوضي جدي يفرض حتمًا إعادة النظر في عدد من المسائل الدستورية والميثاقية الجوهرية، وفي مقدمتها،
1- حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية
2- منع أي تنظيم مرتبط بالخارج من امتلاك قرار عسكري مستقل بكل الوسائل الممكنة.
3- إعادة تفسير مبدأ العيش المشترك بما يحفظ استمرارية الدولة لا شللها
4- وضع حدود دستورية واضحة لاستعمال مفهوم الميثاقية منعًا لتحوله إلى أداة تعطيل دائم
5- تكريس حياد لبنان ومنع تحويل أراضيه إلى ساحة حروب إقليمية
6- تعزيز مفهوم المواطنة على حساب الاصطفافات المذهبية والمحورية
7- قوانين المقاطعة الخاصة بإسرائيل 
8- قوانين التعامل والتواصل
9- القوانين المرتبطة بحالة الطوارئ والصراع الحدودي
10- التشريعات المرتبطة بإسرائيل

كذلك، فإن الوصول إلى أي اتفاق سلام سيفرض إعادة صياغة جزء كبير من المنظومة القانونية اللبنانية التي نشأت على أساس حالة الحرب مع إسرائيل، بما يشمل قوانين المقاطعة والتعامل والاتصال والتبادل، إضافة إلى إعادة تحديد مفهوم العدو ضمن إطار قانوني ودستوري جديد ينسجم مع أي واقع سياسي مستقبلي. إلا أن التحدي الحقيقي لن يكون خارجيًا بقدر ما هو داخلي، لأن أزمة لبنان ليست فقط أزمة حدود أو نزاع إقليمي، بل أزمة تعريف للدولة نفسها، هل لبنان دولة ذات سيادة واحدة وسلاح واحد وقرار واحد، أم ساحة مفتوحة لتوازنات الطوائف والمحاور الخارجية؟ وهل المرجعية النهائية هي الدستور، أم موازين القوى التي تفرضها الجماعات المسلحة؟
لكن كل هذه التعديلات القانونية ستبقى عديمة الفاعلية إذا لم يُحسم أولًا السؤال الأساسي، من يحكم لبنان فعلًا؟
إن أي سلام لا يقوم على استعادة الدولة اللبنانية لاحتكارها الكامل للسلاح والقرار والسيادة سيبقى سلامًا هشًا ومؤقتًا، لأن جوهر الأزمة اللبنانية ليس فقط في العلاقة مع إسرائيل، بل في الانقسام العميق حول معنى الدولة نفسها، وحول مفهوم الولاء الوطني، وحول الجهة التي تمتلك الحق الحصري في تقرير مصير اللبنانيين جميعًا. إن أي سلام لا يسبقه إصلاح دستوري وسيادي جذري سيبقى مجرد هدنة مؤقتة قابلة للانهيار، لأن المشكلة الحقيقية ليست فقط في الحدود، بل في هوية السلطة التي تمتلك الحق الحصري في تقرير مصير اللبنانيين جميعًا