في ذروة النقاش الدائر اليوم داخل الجنوب اللبناني حول كلفة الحرب ومعنى المقاومة ونتائجها، يبرز سؤال يصعب على "حزب الله" الإجابة عنه: هل انتهى الحزب إلى النموذج نفسه الذي نشأ أصلاً على معارضته؟
عندما ظهر "حزب الله" في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، لم يقدّم نفسه مجرد فصيل جديد يقاتل إسرائيل، بل طرح نفسه بديلاً كاملاً من التجربة الفلسطينية التي حكمت الجنوب اللبناني منذ أواخر الستينيات. يومها، لم يكن نقد الحزب موجهاً إلى إسرائيل وحسب، بل أيضاً إلى الأسلوب الذي أُدير به الصراع معها.
ولم يكن هذا النقد مجرد موقف سياسي عابر، بل شكّل جزءاً من الخطاب التأسيسي الذي حمله قادة الحزب الأوائل. فقد حرص الأمين العام الأول صبحي الطفيلي والأمين العام الثاني عباس الموسوي، ومعهما عدد من منظّري الحزب في تلك المرحلة، على إبراز الفارق بين "المقاومة الإسلامية" الناشئة وبين تجربة الفصائل الفلسطينية التي سبقت اجتياح عام 1982. وكانوا يعتبرون أن إطلاق الصواريخ من القرى الجنوبية ثم انتظار الرد الإسرائيلي عليها حوّل السكان إلى من يدفع الثمن المباشر للصراع، فيما بقي الاحتلال قائماً. وفي أدبيات الحزب الأولى، وُصفت تلك التجربة بأنها أقرب إلى نموذج استعراضي أو تفاوضي يستجلب الدمار إلى القرى من دون أن يحقق هدف التحرير.
كان الخطاب واضحاً: إطلاق صاروخ كاتيوشا ثم انتظار القصف الإسرائيلي ليس استراتيجية تحرير، بل وصفة دائمة لخراب القرى وتهجير سكانها. وكان الحزب يفاخر بأنه يقدّم نموذجاً مختلفاً يقوم على استنزاف الاحتلال داخل الأرض المحتلة عبر الكمائن والعبوات والاشتباكات المباشرة، لا عبر تحويل المدنيين إلى خط تماس دائم أو جعل الجنوب ساحة لتبادل الرسائل العسكرية والسياسية.
هذا التمايز لم يكن تفصيلاً عابراً. لقد شكّل أحد الأسس الأخلاقية والسياسية التي بنت عليها المقاومة الإسلامية شرعيتها داخل البيئة الجنوبية. فقد وعدت الناس بأنها تعلمت من أخطاء الآخرين، وأنها لن تكرر التجربة التي انتهت عام 1982 بخروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان وترك الجنوب تحت الاحتلال.
من الشقيف إلى الشقيف: ماذا تغيّر؟
لكن بعد أربعة عقود تقريباً، تبدو الصورة مختلفة بصورة دراماتيكية. فالسلاح الصاروخي الذي كان الحزب يعتبره عنواناً لفشل الاستراتيجية الفلسطينية أصبح العمود الفقري لعقيدته العسكرية. والحروب التي كان يعتبرها استنزافاً للبيئة الحاضنة تحوّلت إلى جزء دائم من المشهد الجنوبي. أما القرى التي قيل إنها لن تكون مرة أخرى رهينة المواجهات المفتوحة، فقد عادت لتدفع أثماناً بشرية واقتصادية وعمرانية هائلة.
والأهم من ذلك أن النتيجة التي قال الحزب إنه وُجد لمنعها عادت لتفرض نفسها بقوة. إسرائيل التي انسحبت من قلعة الشقيف عام 2000 عادت إليها اليوم. والجيش الإسرائيلي الذي خرج من أجزاء واسعة من الجنوب عاد يتقدم داخل الأراضي اللبنانية. والموقع الذي تحوّل طوال ربع قرن إلى رمز لـ"التحرير" أصبح مجدداً رمزاً للسيطرة الإسرائيلية.
هنا تحديداً يكتسب المشهد بعداً يتجاوز الحسابات العسكرية. فالنقاش لم يعد يتعلق بعدد الصواريخ التي أُطلقت أو حجم الخسائر التي أُلحقت بإسرائيل، بل بالسؤال الذي طرحه حزب الله نفسه على الفلسطينيين قبل أربعين عاماً: ما هي النتيجة النهائية؟
فإن كان معيار النجاح هو حماية الأرض ومنع عودة الاحتلال، فإن عودة القوات الإسرائيلية إلى مواقع كانت قد انسحبت منها تفرض مراجعة قاسية. وإن كان معيار النجاح هو حماية السكان، فإن حجم الدمار والنزوح والخسائر يفتح الباب أمام أسئلة أكثر قسوة. أما إن كان معيار النجاح هو منع تحويل الجنوب إلى ساحة صراع مفتوحة، فإن الواقع الحالي يبدو أقرب إلى ما كان الحزب نفسه ينتقده في التجربة الفلسطينية.
المفارقة أن الحزب بنى جزءاً كبيراً من شرعيته على نقد نموذج سابق، ثم انتهى تدريجاً إلى تبنّي أدواته ومنطقه ونتائجه. فقد انتقد الصواريخ، ثم أصبحت الصواريخ عنوان استراتيجيته. وانتقد استجلاب الرد الإسرائيلي إلى القرى، ثم بات الجنوب يعيش دورات متكررة من الدمار والتهجير. وانتقد ربط الجنوب بصراعات المنطقة، ثم أصبح جزءاً عضوياً من مشروع إقليمي عابر للحدود. وانتقد تحويل المدنيين إلى رهائن للحرب، ثم وجد الجنوب نفسه مجدداً في قلب المواجهة.
لهذا السبب لا تبدو النداءات التي خرجت أخيراً من صور والنبطية مجرد اعتراض على أداء عسكري أو على إدارة معركة معينة. ما يجري أعمق من ذلك بكثير. إنه بداية مراجعة لفكرة تأسست عليها مرحلة كاملة من تاريخ الجنوب اللبناني.
المصدر: النهار
الكاتب: فارس خشان

