لا يحتاج اللبنانيون إلى من يشرح لهم أنهم يعيشون ظروفاً استثنائية. يكفي أن يفتحوا نشرات الأخبار، أو أن يتابعوا ما يجري على الحدود الجنوبية، أو أن ينظروا إلى حجم القلق الذي يرافق يومياتهم منذ أشهر، ليدركوا أن البلد ليس في حالة طبيعية، وأن أبناءهم الطلاب ليسوا في ظروف تسمح بالتعامل مع العام الدراسي وكأنه عام عادي.
لكن يبدو أن وزارة التربية تعيش في مكان آخر.
ففي الوقت الذي سارعت فيه دول ومؤسسات تعليمية دولية إلى مراعاة الظروف الأمنية والحربية التي تعصف بالمنطقة، اختارت وزارة التربية اللبنانية أن تتصرف وكأن شيئاً لم يكن، وأن تتعامل مع آلاف الطلاب وكأنهم يعيشون في بلد مستقر وآمن بعيد عن الحروب والأزمات.
المفارقة الصادمة أن فرنسا نفسها، التي تُعد من أكثر الدول تشدداً في ما يتعلق بالشهادات الرسمية ومعاييرها الأكاديمية، قررت إلغاء امتحانات الـBrevet والـBaccalauréat الفرنسية في لبنان وعدد من الدول المتأثرة بالأوضاع الأمنية، والحرب الدائرة بين اميركا وايران، واعتمدت التقييم المدرسي بديلاً عنها.
فرنسا رأت أن الظروف لا تسمح. أما وزارة التربية اللبنانية فلم ترَ ذلك.
فرنسا اقتنعت بأن الحرب تؤثر على الطلاب. أما الوزارة اللبنانية فتتصرف وكأن الحرب لا وجود لها.
أي منطق هذا؟
وأي قراءة للواقع تعتمدها الوزارة؟
هل المطلوب من الطالب اللبناني أن يدرس تحت ضغط الخوف والتهديد وانعدام الاستقرار، ثم يُطلب منه أن يخوض امتحاناً مصيرياً وكأنه أمضى سنة دراسية طبيعية؟
ثم تأتي قصة "البروفيه" لتكشف حجم التخبط الذي تعيشه الوزارة.
فالوزيرة أعلنت إلغاء الشهادة المتوسطة، وهو قرار لاقى ارتياحاً لدى شريحة واسعة من الأهالي والطلاب الذين اعتبروا أن الظروف الاستثنائية تبرره.
لكن المفاجأة كانت أن الوزارة عادت لتفرض على المدارس برامج محددة ومعايير موحدة وآليات تقييم مركزية، وطلبت الاطلاع على الأسئلة التي ستُطرح على الطلاب.
إذا كانت الشهادة الرسمية قد أُلغيت فعلاً، فما معنى كل هذه الإجراءات؟
وإذا كانت الوزارة لا تزال تريد الإشراف على الامتحانات والتدخل في تفاصيلها، فلماذا ألغت الشهادة أصلاً؟
الحقيقة التي يراها كثيرون هي أن الوزارة ألغت البروفيه شكلياً، ثم أعادت إنتاجها بصورة مختلفة، فوقع الطلاب والمدارس بين قرار الإلغاء وواقع الامتحان المقنّع.
وهنا يكمن جوهر المشكلة.
فالمدارس الخاصة والرسمية لم تعد تعرف ما هو المطلوب منها بالضبط.
والأهالي يعيشون حالة ضياع.
أما الطلاب فباتوا يدفعون ثمن قرارات متناقضة تصدر من الجهة نفسها.
وفي ملف الثانوية العامة، تبدو الصورة أكثر خطورة.
فمنذ أشهر، ترتفع أصوات الطلاب والأهالي ومديري المدارس مطالبة بإعادة النظر في قرار إجراء الامتحانات الرسمية.
الاعتراضات لم تأتِ من جهة سياسية واحدة. ولم تكن مطلباً فئوياً أو شعبوياً،
بل جاءت نتيجة واقع يعرفه الجميع.
هناك طلاب نزحوا.
وطلاب تعطلت دراستهم.
وطلاب تابعوا تعليمهم وسط أصوات القصف والتوتر والقلق.
وهناك آلاف العائلات التي لا تعرف حتى اليوم ماذا يحمل الغد.
فأي عدالة يمكن تحقيقها بين هؤلاء وبين طلاب عاشوا ظروفاً مختلفة تماماً؟
إن الإصرار على الامتحانات الرسمية في ظل هذه الوقائع لا يعكس حرصاً على المستوى العلمي بقدر ما يعكس إصراراً على تجاهل الواقع.
فالعدالة التربوية لا تعني فقط إجراء الامتحان.
العدالة التربوية تعني تأمين ظروف متكافئة للطلاب قبل الامتحان.
وهذا الشرط مفقود اليوم بصورة واضحة.
لقد فهمت فرنسا ذلك.
وفهمته مؤسسات تعليمية عديدة حول العالم عندما واجهت ظروفاً استثنائية مشابهة.
أما وزارة التربية اللبنانية فما زالت تتصرف وكأن المشكلة تكمن في إلغاء الامتحان لا في الظروف التي تجعل إجراءه موضع شك واعتراض.
اليوم، لم يعد السؤال لماذا يعترض الطلاب والأهالي.
السؤال الحقيقي هو: لماذا تصر الوزارة على عدم الإصغاء؟
ولماذا تعتبر أن آلاف الأصوات الرافضة لا تستحق حتى إعادة النظر في القرار؟
إن الامتحان الحقيقي هذا العام ليس امتحان الثانوية العامة. الامتحان الحقيقي هو امتحان قدرة الدولة على فهم معاناة أبنائها.
هل يعقل ان مجموعة صغيرة من المستفيدين بتعويض من هنا، او بأجر من هناك، (لجان الامتحانات ولجان تصحيح ومجموعة من موظفي وزارة الترببة) يتحكمون بقرار وزيرة التربية وبمصير الالاف من الطلاب من اجل ان يقبضوا حفنة من الدولارات، ام ان وزيرة التربية هي نفسها غائبة عن الواقع وتتصرف انطلاقا من حسابات اخرى .... وطبعا غير اكاديمية؟
حتى الآن، يبدو أن وزارة التربية اختارت أن تدير ظهرها للواقع، وأن تتعامل مع بلد يعيش على حافة الحرب وكأنه يعيش أيامه الأكثر استقراراً.
هنا تكمن المشكلة كلها.
"أخبار البلد"
