بقلم المحامي كميل حبيب معلوف
ثمة مفارقة في صميم القانون الجنائي: أن يُضبط الجاني في لحظة جريمته، وأن تتوقف يد العدالة أمام وثيقةٍ أو شارةٍ تعلن الحصانة. ليس هذا وهماً نظرياً، بل واقعٌ يعيشه القضاء كلما التقى الجرمُ المشهود بمنظومة الامتيازات التي يكفلها الدستور والتشريعات المهنية لفئات بعينها.
يُعرّف قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني حالة التلبس بوصفها مُسوِّغاً للتحرك الفوري؛ تملك النيابة العامة والضابطة العدلية بموجبها مباشرة التحقيق دون انتظار إذن مسبق. (انظر المواد ٣٢–٤١ من قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني وتعديلاته)
غير أن هذا الحق يصطدم بجدارٍ راسخ من الحماية. فالمادة ٧٩ من قانون تنظيم مهنة المحاماة تُحصّن المحامي من الملاحقة بسبب عمله المهني إلا وفق إجراءات خاصة. (المادة ٧٩، قانون تنظيم مهنة المحاماة، المرسوم الاشتراعي رقم ٣/١٩٨٣)
وتزيد المادتان ٣٩ و٤٠ من الدستور اللبناني الأمرَ تعقيداً، إذ تشترطان الحصول على إذن مسبق من المجلس النيابي أو المجلس الأعلى لملاحقة النواب والوزراء، حتى حين يُضبَطون متلبسين. (المادتان ٣٩ و٤٠ من الدستور اللبناني الصادر عام ١٩٢٦ وتعديلاته)
وقد واجه القضاء اللبناني هذه الإشكالية بصورة مباشرة. فقد انتهت محكمة التمييز في قرارٍ بارز إلى أن الجرم المشهود يُلزم القضاء بالمضي في الملاحقة رغم الحماية الدستورية، لأن الفعل المرتكب وقع خارج نطاق العمل المحمي.
بيد أن اجتهاداً قضائياً لاحقاً عاد وضبط هذا التوجه، مقرراً أن التلبس لا يُسقط الحصانة بل يُوجب سلوك الآليات الدستورية المقررة لرفعها. وهو موقفٌ أكثر انسجاماً مع التفسير الضيّق للاستثناءات الدستورية.
وفي فرنسا، يسير الفقه والقضاء في الاتجاه ذاته: الحصانة البرلمانية لا تنهار بمجرد التلبس، بل تتعلق الملاحقة حتى تُرفع بقرار من الجمعية الوطنية أو مجلس الشيوخ. (المادة ٢٦ من الدستور الفرنسي لعام ١٩٥٨)
والحكمة في ذلك ليست حماية الشخص، بل صون الوظيفة التشريعية من الضغوط السياسية المتلبِّسة في ثوب الإجراء القانوني. هنا يتجلى التوازن الدقيق بين مقتضيات العدالة الجنائية ومتطلبات استقلالية السلطة التشريعية.
على الضفة المقابلة، يتبنى النظام الأمريكي فلسفةً مغايرة جذرياً. فالحصانة البرلمانية الواردة في الدستور الفيدرالي مقصورةٌ على الأعمال التشريعية الصرفة، ولا تمتد لتشمل الجرائم الجنائية العادية، مما يُتيح ملاحقة عضو الكونغرس فوراً حين يُضبط متلبساً دون حاجة إلى إذن المجلس. United States v. Brewster, 408 U.S. 501, 1972
يكشف هذا التقابل بين الأنظمة الثلاثة عن فلسفتين دستوريتين لا تتعارضان بالضرورة: فلسفةٌ تُقدّم المساواة الجنائية المطلقة، وفلسفةٌ تُوازن بين حماية الوظيفة العامة ومتطلبات الردع.
والمشكلة في لبنان ليست في اختياره الفلسفة الثانية، بل في غياب التطبيق المتسق والشفاف لآليات رفع الحصانة، مما يحوّلها أحياناً من ضمانةٍ مشروعة إلى درعٍ للإفلات من العقاب. والحل ليس في إلغاء الحصانات، بل في تقنين مهل زمنية صارمة لرفعها، وإلزام الجهات المختصة بالبت فيها علناً ودون إبطاء، حتى يبقى الجرم المشهود ما ينبغي أن يكون: أداةً للردع لا ساحةً لصراع المؤسسات.
