خاص

خاص: حبيب عبود - الأوهام لا دين لها ولا قومية



إن التفكير المستند إلى الوهم لا يقتصر على دولة أو أمة بعينها. فالتاريخ يعلمنا أن جميع المشاريع العقائدية الكبرى معرضة للوقوع في الفخ نفسه: الاعتقاد بأن امتلاك فكرة ما يعني القدرة على إعادة تشكيل العالم وفقاً لها.

فكما نشأت في بعض الأوساط الإسرائيلية أوهام مفادها أن التفوق العسكري قادر على إعادة رسم الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط بصورة دائمة، نشأت في المقابل داخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية أوهام من نوع آخر، قوامها الاعتقاد بأن الثورة الإسلامية تمتلك جاذبية عالمية تمكنها من إعادة تشكيل المجتمعات الإسلامية، وربما الإنسانية جمعاء، وفق نموذجها الفكري والسياسي.

منذ عام 1979، ارتكز جزء من الخطاب الرسمي الإيراني على مفهوم "تصدير الثورة". ولم يكن المقصود بذلك مجرد نشر أفكار دينية أو ثقافية، بل الإيمان بأن نموذج الحكم القائم في طهران يمثل مرحلة تاريخية جديدة قابلة للانتشار خارج حدود الدولة الإيرانية. غير أن العقود اللاحقة أظهرت أن المجتمعات أكثر تعقيداً من أن تخضع لمسار أيديولوجي واحد، وأن الخصوصيات الوطنية والثقافية غالباً ما تكون أقوى من الانتماءات العقائدية العابرة للحدود.

عندما تتحول الرسالة إلى وهم
تكمن المشكلة في أن كل مشروع عقائدي يبدأ عادةً برسالة أخلاقية أو فكرية مشروعة، لكنه قد يتحول مع الزمن إلى وهم سياسي عندما يعتقد أصحابه أن انتشار الفكرة أمر حتمي، وأن التاريخ يعمل لصالحهم بصورة تلقائية.

وهنا تتشابه المشاريع الإمبراطورية القومية مع المشاريع الأيديولوجية الدينية. فكلاهما يفترض أن الآخرين سوف يتبنون رؤيته للعالم إذا ما توفرت القوة أو الوقت الكافي. لكن الواقع يكشف مراراً أن المجتمعات لا تتخلى بسهولة عن هوياتها الوطنية والثقافية، وأن الأفكار لا تنتصر بمجرد إعلانها حقائق مطلقة.
الوهم المشترك بين طهران وتل أبيب

على الرغم من التناقض الحاد بين المشروعين الإيراني والإسرائيلي، إلا أن الباحث الاجتماعي يلاحظ وجود آلية نفسية مشتركة بينهما. فكلاهما يقوم بدرجات متفاوتة على افتراض أن التاريخ يمنحه دوراً استثنائياً ورسالة خاصة تتجاوز الحدود الطبيعية للدولة القومية.

هذه القناعة تولد ما يسميه علماء الاجتماع السياسي "الاستثنائية التاريخية"، أي الاعتقاد بأن قواعد الواقع التي تنطبق على الآخرين لا تنطبق على أصحاب المشروع أنفسهم. وعندما تترسخ هذه القناعة، يصبح من السهل تجاهل الوقائع المخالفة، وتبرير الإخفاقات، والاستمرار في السياسات نفسها رغم كلفتها المتزايدة.
سقوط الأوهام أمام الواقع

لقد أثبت القرن العشرون وبدايات القرن الحادي والعشرين أن معظم المشاريع التي حاولت إعادة تشكيل العالم وفق رؤية عقائدية مغلقة انتهت إلى نتائج مختلفة كثيراً عما تخيله أصحابها. فالقوة العسكرية لم تستطع وحدها صناعة سلام دائم، كما أن الحماسة العقائدية لم تستطع وحدها توحيد المجتمعات تحت راية فكرية واحدة.

الواقع أكثر تعقيداً من جميع النظريات الكبرى. والشعوب أكثر استقلالاً من أن تتحول إلى أدوات في مشاريع تاريخية رسمتها نخب سياسية أو دينية. لذلك فإن أكبر الأخطاء الاستراتيجية تبدأ عندما تختلط الرغبة بالواقع، ويتحول الحلم إلى يقين، ويتحول اليقين إلى وهم.

الخلاصة
إن أخطر أشكال التفكير المستند إلى الوهم ليس الاعتقاد بخطأ محدد، بل الاعتقاد بأن التاريخ نفسه يعمل لمصلحة مشروع معين دون حدود أو قيود. وهنا تتساوى المشاريع القومية التوسعية مع المشاريع العقائدية العابرة للحدود. فكلاهما ينطلق من فرضية أن العالم يمكن إعادة تشكيله وفق إرادة جماعة واحدة أو فكرة واحدة.

لكن الدرس الذي يقدمه التاريخ باستمرار هو أن المجتمعات البشرية لا تُقاد بالأحلام وحدها، وأن التواضع أمام تعقيد الواقع غالباً ما يكون أكثر حكمة من الثقة المطلقة بأي مشروع، مهما بدا لأصحابه عظيماً أو مقدساً أو حتمياً.