بقلم العميد المتقاعد فايز مشموشي
يشكل الاتفاق الذي تم توقيعه بين لبنان وإسرائيل باحتضان عربي ودولي محطة مفصلية في تاريخ العلاقات بين الطرفين، إذ يُنظر إليه بوصفه أول اعتراف رسمي متبادل بين الدولتين منذ قيام إسرائيل عام 1948، من خلال المراسلات الرسمية اللبنانية والقرار الصادر عن رئاسة الجمهورية بالتفاوض والتوقيع من قبل سفير لبنان ممثلا الدولة اللبنانية. وإذا صحّ هذا التوصيف، فإن الاتفاق يمثل تحولاً في السياسة الخارجية اللبنانية ويفصل ارتباط ايران باي تفاوض عن الدولة اللبنانية، وينقل الملف من مرحلة إدارة النزاع إلى مرحلة تنظيم العلاقة الأمنية والسيادية بين الدولتين.
وبذلك، يكون لبنان قد انتقل عملياً من الخطاب التقليدي الذي استند لعقود إلى توصيف إسرائيل كـ”دولة الاحتلال” وربط القضية اللبنانية بالقضية الفلسطينية وقرارات الأمم المتحدة، إلى مقاربة جديدة تركز على تثبيت السيادة اللبنانية واستعادة كامل الأراضي المحتلة الواقعة جنوب الخط الأزرق، ضمن تفاهمات مباشرة بين لبنان ودولة اسرائيل .
في المقابل، ينص الاتفاق بين الدولتين على انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية التي تسيطر عليها، إلا أن هذا الانسحاب يبقى مشروطاً بتنفيذ الدولة اللبنانية التزاماتها الأمنية، وفي مقدمتها حصر السلاح بيد الدولة ومنع أي وجود عسكري خارج مؤسساتها، بما يشمل عدم وجود بنية عسكرية تابعة لحزب الله أو نفوذ عسكري إيراني في الجنوب.
هذا التطور يضع الدولة اللبنانية أمام اختبار داخلي بالغ الحساسية، إذ من المتوقع أن يواجه الاتفاق رفضاً شديداً من حزب الله وحلفائه، الذين قد يعتبرونه تجاوزاً لثوابتهم السياسية والعسكرية وإلغاء لدور ايران ، خاصة إذا ارتبط بتنفيذ إجراءات تؤدي إلى نزع السلاح و إنهاء الدور العسكري للحزب في الجنوب ولبنان.
ومن شأن ذلك أن يعمق الانقسام السياسي العامودي داخل لبنان، وربما يجعله أكثر حدة من الانقسام الذي رافق اتفاق ١٧ ايار نظراً لأن الاتفاق الحالي، وفق هذا التحليل، لا يقتصر على ترتيبات أمنية، بل يرتبط بإعادة تعريف دور الدولة اللبنانية وحدود سلطتها الحصرية على كامل أراضيها.
للمرة الأولى منذ الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، تبدو الدولة اللبنانية أمام فرصة فعلية لإعادة بسط سلطتها الأمنية الكاملة على جنوب لبنان، وهي خطوة تعثرت آنذاك عندما لم ينتشر الجيش اللبناني بصورة كاملة في المناطق المحررة، في ظل القرار السياسي الخارجي الذي تمثل بسورية وايران و الذي كان قائماً آنذاك واستمرار وتفعيل الدور العسكري للمقاومة.
أما اليوم، فإن الاتفاق إذا نُفذ بالكامل يضع مسؤولية الأمن جنوباً حصراً على مؤسسات الدولة اللبنانية، وهو ما يمثل تحولاً جذرياً في بنية السلطة الأمنية داخل البلاد.
يبقى السؤال المركزي: هل تستطيع الولايات المتحدة والدول العربية والدول المشاركة في الضمانات الأمنية السعودية وقطر وباكستان ومصر ، ممارسة ضغط كافٍ على إيران لدفعها إلى القبول بإنهاء الوجود العسكري المرتبط بها في لبنان؟
حتى الآن، لا تظهر مؤشرات حاسمة على قبول طهران بهذا المسار، ما يجعل تنفيذ الاتفاق مرتبطاً بدرجة كبيرة بنتائج التفاهمات الإقليمية الأوسع، وليس فقط بالإرادة اللبنانية.
إذا دخل الاتفاق حيز التنفيذ، فإنه يغيّر طبيعة المفاوضات التي كانت تقتصر سابقاً على الجوانب العسكرية وآليات المراقبة والانسحاب، لينقل الملف إلى مرحلة سياسية تتعلق بتنفيذ الالتزامات الداخلية اللبنانية، وهو ما يعني أن مركز الثقل انتقل من طاولات التفاوض الخارجية إلى الداخل اللبناني.
بدأت بالفعل تصدر مواقف رافضة من نواب و مسؤولي حزب الله تشكك بشرعية الاتفاق وتعتبره غير ملزم، وهو ما قد يؤدي إلى تصاعد المواجهة السياسية بين الحكومة والقوى الرافضة له.
وفي حال تعذر التوصل إلى تسوية داخلية، فقد يدخل لبنان مرحلة تتسم بـ:
• تصاعد الاستقطاب السياسي الحاد.
• احتجاجات واعتصامات واسعة.
• أزمة دستورية حول شرعية القرارات الحكومية.
• احتمال حصول توترات أمنية في بعض المناطق إذا تعثرت عملية تنفيذ الاتفاق أو محاولة فرضه بالقوة.
خلاصة
إذا كانت إسرائيل قد ربطت انسحابها الكامل بتنفيذ الدولة اللبنانية التزاماتها الأمنية، فإن التحدي الحقيقي لم يعد على الحدود الجنوبية فحسب، بل داخل لبنان نفسه. فنجاح الاتفاق لن يقاس فقط بانسحاب القوات الإسرائيلية، وإنما بقدرة الدولة على فرض سلطتها على كامل أراضيها، وإدارة الانقسام الداخلي دون الانزلاق إلى مواجهة سياسية أو أمنية واسعة.
وفي المقابل، يبقى مسار التنفيذ رهناً بعوامل عدة، أبرزها موقف إيران، ورد فعل حزب الله ، وقدرة المؤسسات اللبنانية على إدارة هذا التحول الكبير، إضافة إلى مدى استمرار الدعم الدولي والإقليمي والعربي لضمان استقرار لبنان خلال هذه المرحلة الدقيقة.
