إقتصاد

ملف "صيرفة" إلى الواجهة بعدما سلّم "مصرف لبنان" أسماء المستفيدين...



هل بدأت الدولة أخيراً بإقفال أحد أكثر ملفات الأزمة المالية إثارة للجدل؟

بعد سنوات على انتهاء العمل بمنصّة "صيرفة"، التي شكلت إحدى أبرز أدوات مصرف لبنان للتدخل في سوق القطع خلال ذروة الانهيار النقدي، انتقلت الدولة من مرحلة إقرار الضريبة على الأرباح المحققة عبر المنصّة إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، بعدما سلّم مصرف لبنان وزارة المال قاعدة البيانات الخاصة بالمستفيدين من العمليات الخاضعة للضريبة.

 

فقد بقي تنفيذ قانون الموازنة العامة لعام  2024، معلقاً بسبب غياب المعلومات اللازمة، والخلاف حول آليات التطبيق، وحدود السرّية المصرفية. أما اليوم، فبعد تعديل التشريعات المتعلقة برفع السرية المصرفية للأغراض الضريبية، أصبح الطريق ممهداً أمام وزارة المال لإصدار التكليفات الضريبية بحق الأشخاص والشركات الذين حققوا أرباحاً من عمليات "صيرفة" التي تجاوزت قيمتها 100 ألف دولار، (علماً بأن النص الأصلي الوارد في قانون موازنة 2024 قد أخضع الأرباح الناتجة عن عمليات "صيرفة" التي تجاوز مجموع مشترياتها 15 ألف دولار للضريبة، قبل أن يجري تعديل السقف لاحقا ليصبح 100 ألف دولار في قانون موازنة 2026).

من "صيرفة" إلى الضريبة
وللتذكير فإنه في ظل الانهيار الحاد لسعر صرف الليرة وتعدد أسعار الدولار، أطلق مصرف لبنان منصة "صيرفة" عام 2021 بهدف تنظيم جزء من عمليات بيع وشراء العملات الأجنبية، وتأمين الدولار بأسعار أدنى من السوق الموازية، سواء لاستيراد بعض السلع أو لتلبية حاجات مؤسسات وأفراد.

لكن مع اتساع الفارق بين سعر "صيرفة" وسعر السوق، تحوّلت المنصّة تدريجاً إلى مصدر لتحقيق أرباح كبيرة للمستفيدين منها، إذ كان بالإمكان شراء الدولار عبر المنصة ثم إعادة بيعه في السوق بأسعار أعلى، محققين أرباحاً كبيرة من فروقات الأسعار. وقد أثار هذا الواقع انتقادات واسعة، باعتبار أن الأموال التي ضخها مصرف لبنان لتحقيق استقرار نسبي في سعر الصرف انتهى جزء منها إلى أرباح استثنائية استفاد منها أفراد وشركات.

 
لماذا تأخر التنفيذ؟
ولكن رغم صدور النص القانوني، بقي تطبيقه معلقاً عملياً. فوزارة المال كانت قد دعت المكلفين إلى التصريح عن الأرباح وتسديد الضريبة، ومدّدت المهل أكثر من مرة، إلا أن المشكلة الأساسية بقيت تتمثل في عدم امتلاكها قاعدة البيانات التي تحدد هويّة المستفيدين وقيمة العمليات المنفذة عبر "صيرفة".

وبحسب المعلومات، فإن المصارف لم تكن زوّدت وزارة المال بهذه البيانات، معتبرة أن "تطبيق القانون يحتاج إلى توضيحات إضافية أو إلى مراسيم تنفيذية. إلا أن تعديل أحكام السرية المصرفية المتعلقة بالشؤون الضريبية، منح وزارة المال الحق بطلب هذه المعلومات، ما دفعها إلى مخاطبة مصرف لبنان مباشرة".

وتؤكد المعلومات أن مصرف لبنان سلم وزارة المال جميع البيانات التي كان مصرحاً بها لديه بصورة رسمية، مع المحافظة على تشفير المعلومات، بحيث لا يستطيع الاطلاع عليها سوى الموظفين المخوّلين متابعة الملفات الضريبية.

 

وللتوضيح فإن الضريبة لا تشمل جميع المستفيدين من "صيرفة"، بل تقتصر على من تجاوزت قيمة عملياتهم 100 ألف دولار، ولا تُفرض على قيمة العمليات نفسها، بل على الأرباح الناتجة عنها.

فإذا بلغت قيمة العمليات 200 ألف دولار، تعفى أول 100 ألف دولار، فيما تُحتسب الضريبة على الأرباح الناتجة عن الـ100 ألف الإضافية فقط. فإذا بلغت الأرباح 10 آلاف دولار، تُستوفى ضريبة بنسبة 17%، أي 1700 دولار.

أما لائحة المشمولين بالإجراء فتضم أفراداً وشركات ومؤسسات نفذوا عمليات بمبالغ كبيرة، فيما تبقى أسماء المستفيدين وقيم العمليات معلومات سرية لا يطلع عليها سوى المعنيين في وزارة المال.

المرحلة التالية ستكون إعداد وزارة المال جداول التكليف الضريبي، وإبلاغ كل مكلف بقيمة الضريبة المستحقة عليه، تمهيداً لتحصيلها وفق الأصول القانونية.

وسيتمكن المكلف من مراجعة المصرف الذي أجرى عبره عمليات "صيرفة" للحصول على كشف يحدد قيمة عملياته والأرباح المحققة، ومن ثم قيمة الضريبة الواجبة، قبل تسديدها عبر المصارف أو شركات تحويل الأموال أو مباشرة لدى صناديق وزارة المال.

توازياً، ربط مصرف لبنان الإفادة من أحكام التعميم رقم 166 بتسديد هذه الضريبة، بحيث لن يتمكن أي مكلف متخلف عن الدفع من الإفادة من أحكام التعميم.

إيرادات للخزينة؟

ورغم غياب رقم نهائي، تشير التقديرات الاولية إلى أن الخزينة قد تتمكن من تحصيل ما لا يقل عن 50 مليون دولار نقداً، نظراً إلى أن الفئة المشمولة محدودة عدداً لكنها نفذت عمليات كبيرة الحجم.

لكن أهمية الخطوة تتجاوز الإيرادات المالية نفسها. فهي تمثل، للمرة الأولى، محاولة لاستعادة جزء من الأرباح الاستثنائية التي نتجت عن إحدى أكثر أدوات السياسة النقدية إثارة للجدل خلال سنوات الأزمة، وتشير إلى توجه الدولة نحو إخضاع هذه الأرباح للضريبة أسوة بسائر المداخيل، بما يعزز مبدأ العدالة الضريبية بعد سنوات من الجدل حول المستفيدين من فروقات أسعار "صيرفة".

المصدر: النهار

الكاتب: سلوى بعلبكي