بقلم العميد المتقاعد فايز مشموشي
انتهت الجولة الأخيرة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، برعاية أميركية قادها وزير خارجيتها ، بإقرار أربعة عشر بندًا معلنًا، إلى جانب تفاهمات جانبية سرية غير معلنة، تشكل إطارًا أوليًا لترتيبات أمنية تهدف إلى تثبيت وقف إطلاق النار، ومعالجة ملف الانسحاب الإسرائيلي، ووضع أسس للتعامل مع السلاح الخارج عن إطار الدولة.
إلا أن ما أُنجز لا يزال أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى اتفاق نهائي قابل للتنفيذ، نظراً إلى حجم التعقيدات السياسية والعسكرية التي تحيط به.
أبرز ما تضمنته البنود إعلان إسرائيل أنها لا تمتلك مطالب توسعية مستقبلية داخل لبنان، وإبداء استعدادها للانسحاب من المناطق التي تحتلها. غير أن هذا الاستعداد جاء مشروطًا بتنفيذ ترتيبات أمنية لا تقتصر على جنوب الليطاني، بل تمتد إلى كامل الأراضي اللبنانية، وفي مقدمتها معالجة ملف السلاح خارج إطار الدولة.
وهنا تكمن العقدة الأساسية؛ إذ إن ربط الانسحاب الإسرائيلي بملفات داخلية لبنانية معقدة يجعل تنفيذ الاتفاق مرهونًا بشروط يصعب تحقيقها في المدى المنظور، ما قد يحول الاحتلال إلى واقع طويل الأمد بدلاً من أن يكون مرحلة انتقالية نحو الانسحاب الكامل.
كما تشير القراءة السياسية إلى أن الأولوية الإيرانية لم تكن الدفاع عن الجنوب اللبناني بحد ذاته، بقدر ما كانت الحفاظ على البنية العسكرية لحزب الله باعتبارها الركيزة الأساسية لنفوذ طهران في لبنان.
فخلال مراحل التصعيد الأولى، ومع اتساع حجم الدمار في الجنوب والضاحية الجنوبية، لم تبدّل إيران مسار مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، ولم تدفع بصورة حاسمة نحو وقف العمليات العسكرية. إلا أن المشهد تغيّر عندما اقتربت المعارك من مواقع تعتبر ذات أهمية استراتيجية للحزب، وفي مقدمتها تلة علي الطاهر.
وتُعد التلة إحدى أهم العقد الدفاعية المشرفة على مساحات واسعة من الجنوب، وتشير التقديرات العسكرية إلى أن السيطرة عليها كانت ستفتح المجال أمام تقدم العمليات باتجاه قضاء الزهراني وإقليم التفاح ووادي الحجير، بما يهدد ما تبقى من البنية العسكرية للحزب.
ورغم المحاولات العسكرية الإسرائيلية المتكررة، لم تتمكن القوات الإسرائيلية من فرض سيطرة مباشرة على التلة، وتكبدت خسائر بشرية، ما جعل الموقع يتحول إلى إحدى أكثر النقاط حساسية في أي ترتيبات أمنية مستقبلية.
ومن هذا المنطلق، يرى بعض المراقبين أن التحرك الإيراني السياسي والعسكري جاء بهدف وقف التدهور الميداني، والمحافظة على ما تبقى من القدرات العسكرية لحزب الله، وربط وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي بمسار المفاوضات الأميركية الإيرانية، بما في ذلك الملفات الإقليمية الأوسع، مثل أمن الملاحة في مضيق هرمز.
و من أبرز أهداف واشنطن، عبر وزير خارجيتها، والدولة اللبنانية وإسرائيل، حصر التفاوض بالمسار اللبناني الإسرائيلي وإبعاد إيران عن المشاركة المباشرة، في محاولة للالتفاف و فصل هذا الملف عن المفاوضات الأميركية الإيرانية.
غير أن هذا الفصل يبدو شكليًا أكثر منه فعليًا، لأن الملف اللبناني بقي حاضرًا ضمن التفاهمات الأميركية الإيرانية، حيث شكّل وقف إطلاق النار في لبنان، وآلية الانسحاب الإسرائيلي خلال ستين يومًا، أحد البنود الأساسية الاولى في الاتفاق.
كما أن النفوذ الإيراني داخل لبنان عبر حزب الله يجعل تنفيذ أي تفاهم أمني مرتبطًا، بصورة غير مباشرة، بموقف طهران، حتى وإن لم تكن ممثلة رسميًا على طاولة المفاوضات، ما يحد من قدرة المسار اللبناني الإسرائيلي على إنتاج نتائج مستقلة.
و تواجه الدولة اللبنانية معضلة حقيقية في تنفيذ أي التزامات تتعلق بحصر السلاح بيدها ، في ظل الانقسام السياسي والطائفي الحاد.
فالإقدام على خطوات أحادية قد يفتح الباب أمام توترات داخلية أو مواجهات لا يرغب بها أي طرف، ما يجعل تنفيذ البنود الأمنية أكثر تعقيدًا من مجرد توقيعها.
وقد أثارت نتائج المفاوضات اعتراضات من قوى سياسية متعددة، من بينها حزب الله، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ووليد جنبلاط، إضافة إلى مواقف متحفظة من التيار الوطني الحر وعدد من القوى الإسلامية والقومية، بما يعكس غياب الإجماع الوطني حول الاتفاقية و آلية التنفيذ، ويجعل أي تفاهم خارجي عرضة للتعثر ما لم يواكبه توافق داخلي.
تشير البنود المطروحة إلى أن الاستراتيجية الإسرائيلية لا تقوم على انسحاب سريع خاصتا بغياب جدول زمني للانسحاب ، بل على انسحاب تدريجي ومشروط بتنفيذ الدولة اللبنانية التزامات أمنية واسعة النطاق.
وبذلك يتحول الوجود الإسرائيلي في المناطق المحتلة إلى ورقة ضغط سياسية وأمنية تُستخدم لفرض شروط إضافية وربط أي انسحاب نهائي بملفات داخلية لبنانية شديدة التعقيد.
ويحمل هذا النهج مخاطر كبيرة، إذ إن استمرار الاحتلال لفترة طويلة قد يبقي الجنوب في حالة اشتباك دائم. فوجود قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية سيبقى، بالنسبة إلى القوى التي تتبنى خيار المقاومة، مبررًا لاستمرار العمليات العسكرية، فيما قد تستخدم إسرائيل تلك العمليات ذريعة لتأجيل الانسحاب وفرض شروط أمنية جديدة، لتدخل المنطقة في حلقة متبادلة من التصعيد والاستنزاف.
ومن هذا المنطلق، يبدو أن إسرائيل تسعى إلى إدارة الصراع أكثر مما تسعى إلى حسمه، عبر إبقاء الانسحاب مرتبطًا بشروط قد تحتاج سنوات طويلة لتحقيقها.
تكشف التطورات أن لبنان بات واقعًا بين مسارين متوازيين:
مسار لبناني إسرائيلي برعاية وزير الخارجية الاميركية يعالج الترتيبات الأمنية المباشرة.
ومسار أميركي إيراني برعاية نائب الرئيس الاميركي ، يبحث مستقبل التوازنات الإقليمية، حيث يشكّل الملف اللبناني أحد عناصره الأساسية.
الخلاصة:
تشير المعطيات إلى أن الملف اللبناني عاد ليصبح جزءًا من منظومة التوازنات الإقليمية والدولية، ومن الصراع الأميركي الاميركي والاميركي الإيراني، وسط التباينات داخل الإدارة الأميركية نفسها حول آليات إدارة ملفات الشرق الأوسط.
كما يبدو أن تنفيذ أي تفاهم لن يكون ممكنًا من دون تقاطع الإرادات الأميركية والإيرانية، إلى جانب دور فاعل للقوى العربية المؤثرة، وفي مقدمتها السعودية وقطر ومصر، مع بروز باكستان كطرف داعم في بعض المسارات الأمنية والإقليمية.
أما داخليًا، فإن استمرار الانقسام السياسي، وتعقيد ملف السلاح، يجعلان فرص تنفيذ الاتفاق خلال المدى القريب محدودة، الأمر الذي يضع الدولة اللبنانية، بقيادة رئيس الجمهورية جوزيف عون عراب هذا الاتفاق ، أمام مهمة شديدة الحساسية تتطلب الحفاظ على توازن دقيق بين الضغوط الدولية والانقسامات الداخلية، ومنع انزلاق البلاد إلى مواجهة جديدة.
وفي المحصلة، لم تنقل المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية الملف من مرحلة الصراع إلى مرحلة التسوية، بل نقلته إلى مرحلة جديدة من إدارة الصراع بشروط أكثر تعقيدًا. فالانسحاب الإسرائيلي لم يعد مرتبطًا فقط بترتيبات أمنية في جنوب الليطاني، بل أصبح مرتبطًا بإعادة تشكيل الواقع الأمني اللبناني بأكمله، وهو هدف يتجاوز قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذه ، ما يجعل الاتفاق أقرب إلى إطار سياسي لإدارة الأزمة منه إلى تسوية قابلة للتطبيق.
